في إطار التواصل العلمي بين الطريقة القادرية البودشيشية والمؤسسات الجامعية والأكاديمية والبحثية ، نظمت مشيخة الطريقة-الهيئة العلمية ومؤسسة الملتقى بتعاون مع ماستر العقيدة والتصوف بالغرب الإسلامي التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط يوما دراسيا/ تكوينيا لفائدة طلبة ماستر: العقيدة والتصوف ونخبة من شباب الطريقة بجهة الشرق في موضوع: «التصوف في السياق المعاصر: الطريقة القادرية البودشيشية نموﺫجا»، وذلك يوم السبت 27 يناير 2018، بالزاوية الأم بمداغ.

تميز اللقاء بالحضور الفعلي لشيخ الطريقة الدكتور سيدي جمال الدين حفظه الله، ومشاركة وفد يضم رئيسة الماستر الدكتورة كريمة بوعمري، وأساتذة باحثين بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط،

وقد استُقبل الوفد من طرف الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، رئيس الهيئة العلمية للطريقة ومدير الملتقى العالمي للتصوف، الذي رحب بضيوف الزاوية معبرا لهم باسم شيخ الطريقة عن سروره بهذه الزيارة التي ترسخ التعاون العلمي والثقافي والروحي بين الباحثين والمؤسسات الروحية والتربوية والعلمية.

أطر هذا اللقاء الدراسي/ التكويني ثلة من الأساتذة الأكاديميين، وشارك فيه ما يقرب من  150 من الطلبة والباحثين والمهتمين.

افتتحت أشغال هذا اللقاء العلمي بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم تلتها الطالبة هاجر بوساق، ثم تناول الكلمة فضيلة الدكتور مولاي منير القادري بودشيش مدير مؤسسة الملتقى، التي أكد فيها على أهمية هذه اللقاءات التي تمد جسور التعاون والتواصل والتفاعل العلمي والروحي بين طلبة العلم ومؤسسة الزاوية التي تُعد مدرسة روحية وتربوية تعكف على صناعة الإنسان، وهندسة وجدانه، وتزكية نفسه، وتزويده بقدرات تؤهله لنفع نفسه ومجتمعه والخلق كافة، وأوضح فضيلته أن الطريقة القادرية البودشيشية تعمل على نشر قيم السلام والتسامح والتآزر بين الإنسانية جمعاء، مضيفا أن الطريقة تساهم بما لديها من إمكانيات، بالتعاون مع باقي المكونات الأخرى الفاعلة في الشأن الديني، لرسم الصورة الحقيقية للإسلام المبني على التسامح والرحمة، مبرزا أن للمغرب مسؤولية وواجبا من أجل تصحيح صورة الإسلام في الغرب وباقي العالم، وهو ما يتم بالفعل بفضل استراتيجية صاحب الجلالة أمير المؤمنين الملك محمد السادس نصره الله، سواء في إفريقيا أو غيرها من القارات. كما تضمنت كلمة مدير الملتقى العالمي للتصوف العديد من المعاني الرقيقة والإشارات البليغة التي تفاعل معها جمهور الطلبة وكافة الحضور.

ومن جهته عبر الطالب الباحث مصطفى الإدريسي، نيابة عن طلبة ماستر العقيدة والتصوف، عن شكره وامتنانه لشيخ الطريقة الدكتور مولاي جمال الدين ونجله الدكتور مولاي منير، على كرم الضيافة وحسن الاستقبال الذي حظي به الوفد، كما قدم الطالب رضوان القصيبي نبذة مختصرة عن ماستر العقيدة والتصوف وأهم المواد التي تدرس به.

كما كان للحضور موعد مع مشاهدة شريط يعرض المسار الكرونولوجي لعشر سنوات من عمر الملتقى العالمي للتصوف الذي يترأسه فضيلة الدكتور مولاي منير، والذي يُنظم بمناسبة المولد النبوي من كل سنة تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

انتظمت عروض الأساتذة المشاركين ومداخلاتهم في هذا اللقاء العلمي الذي نسق فقراته الدكتور محمد المهدوي في أربعة محاور:

  • المحور التاريخي: كان عبارة عن مداخلة أطرها الأستاذ عبد العزيز أيت سي بعنوان: “إضاءات حول دور الزاوية القادرية البودشيشية في مقاومة الاستعمار الفرنسي: التاريخ وصيانة الذاكرة المغربية“، سلط من خلالها الضوء على الدور الجهادي لشيوخ ورجالات الطريقة القادرية البودشيشية الذين جمعوا بين الجهاد الأكبر، مجاهدة النفس من الداخل، والجهاد الأصغر، مقاومة المستعمر من الخارج، مؤكدا أنه بفضل أدوار هذه الزاوية العلمية والتربوية وأعمالها الاجتماعية والجهادية عبر قرون -وخاصة خلال القرن التاسع عشر- أسدل عليها الملوك العلويون رداء التوقير والإجلال، وراعوا لها حرمة الولاية والوطنية، مستدلا على ذلك بمجموعة من الرسائل المتبادلة ووثائق الأرشيف الفرنسي التي تؤكد مدى الدور الذي اضطلع به شيوخ الطريقة خلال فترة الحماية، خصوصا مع الشيخ المجاهد سيدي المختار القادري بودشيش. كما أبرز المتدخل أن هذه الروح الوطنية متأصلة في رجال الزاوية القادرية البودشيشية ومتوارثة بين أفرادها وأقطابها.

  • المحور الإشعاعي: كان عبارة عن مداخلة أطرها الأستاذ حمزة ألواح بعنوان: الدعوة إلى الله في رحاب الطريقة القادرية البودشيشية: الخصائص والأبعاد، أبرز من خلالها المنهج التربوي والمنهل السلوكي الذي تتميز به الدعوة إلى الله في رحاب هذه الطريقة المباركة، كما أكد الأستاذ المتدخل أن ما يسم العمل الصوفي للطريقة المبني على قيم الوسطية والاعتدال ووحدة المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني وإمارة المؤمنين هو الانفتاح على البشرية كافة، فهي دعوة كونية لا تتحيز لعرق أو لون أو جماعة… لأن مطلبها تحرير الإنسان من أغلال أغراضه وحظوظه، غايتها تنوير أفق الإنسان حيثما كان وكيفما كان.
  • المحور التأصيلي: كان عبارة عن مداخلة أطرها الدكتور طارق العلمي بعنوان: “المشيخة الصوفية بين إقرار الاعتقاد ودعوى الانتقاد”، أورد من خلالها جملة من أقوال العلماء أمثال ابن خلدون وأحمد القباب وابن عباد الذين أكدوا على ضرورة الشيخ المربي الذي يتأكد في مجاهدة الاستقامة، ويتوجب في مجاهدة الكشف والمشاهدة، كما استدل المتدخل ببعض من نصوص الشيخ زروق وخاصة في كتابه «قواعد التصوف» الذي يؤكد فيه على ضرورة الشيخ المربي في السلوك التربوي.

  • المحور التواصلي: يتمثل في مداخلة أطرها الدكتور محمد الهاطي بعنوان: “التواصل وأسئلة الزمن الرقمي.. الضوابط والفرص“، حاول من خلالها تسليط الضوء على أزمة القيم الأخلاقية في ارتباطها بتكنولوجية الإعلام والاتصال الحديثة، داعيا إلى ضرورة إعادة النظر في النموذج المعرفي الاتصالي الحديث، وذلك بربطه بقيم التوحيد الفطرية، ولن يتحقق هذا الأمر، إلا بالأخذ بمجموعة من المقتضيات لخصها في الآتي: – العمل على تثبيت مبدأ “القول المعروف” – العمل على ترسيخ مبدأ “العِلم النافع“- العمل على الأخذ بمبدأ “النموذج الصادق” – العمل على تحصيل “يقظة فكرية وروحية“- ضرورة انفتاح المبدع على “العمل التزكوي” …

  لتختم أشغال هذا اليوم الدراسي/ التكويني المبارك، بتسليم فضيلة الدكتور مولاي منير بعض منشورات مؤسسة الملتقى العالمي للتصوف لثلة من الأساتذة الضيوف، كما تسلم الطلبة المستفيدون من هذا اللقاء شهادات المشاركة من يد شيخ الطريقة الدكتور سيدي جمال الدين حفظه الله.

ومباشرة بعد الجلسة الختامية وبعد تناول وجبة العشاء كان للوفد المشارك في هذا اللقاء العلمي وكافة الحضور موعد مع جلسة للذكر والسماع الصوفي ترأسها شيخ الطريقة، وتخللتها كلمات بعض الأساتذة أعضاء الوفد الذين عبروا عن استفادتهم وانتفاعهم من هذه الزيارة المباركة، متقدمين بالشكر الجزيل إلى شيخ الطريقة فضيلة الدكتور سيدي جمال الدين ونجله الدكتور مولاي منير على كرم الضيافة وحسن الاستقبال الذي حظي به الوفد، كما أعربوا عن أهمية مثل هذه الزيارات العلمية الميدانية التي تزودهم بالصورة الحقيقية عن الطريقة القادرية البودشيشية والتصوف عامة، كما أكدوا أن هذه الزيارة قد مكنتهم من الوقوف عن كثب على الأدوار العلمية والتربوية والإشعاعية التي تضطلع بها الطريقة، منوهين بالمجهودات المبذولة في سبيل الرقي بهذه الزاوية المباركة، ومتعهدين بمواصلة مثل هذه اللقاءات العلمية والروحية.

  وبعد ذلك رفعت أكف الضراعة إلى العلي القدير بالدعاء لمولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس بالعز والنصر المبين، وللمغرب أن يجعله الله بلدا آمنا وسائر بلاد المسلمين.

إعداد ومتابعة د. محمد الهاطي

 

 

 

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.