يعتبر العمل الاجتماعي علما وفنا ومهنة لمساعدة الناس على حل مشاكلهم وتحسين ظروفهم الحياتية، ويرتبط العمل الاجتماعي بالتاريخ الإنساني، فقد كان سائدا في المجتمعات الإنسانية منذ القدم، انطلاقا من دعوة الأديان إلى فعل الخير والإحسان. ولكن بداية العمل الاجتماعي على أنه مهنة قانونية تتأسس على تحقيق أهداف محددة فقد كان في القرن التاسع عشر، تزامنا مع الثورة الصناعية وما ترتب عنها من زيادة الاهتمام بتطبيق النظرية الوضعية على جميع جوانب الدراسات المختلفة، مما زاد من عدد المؤسسات التي بدأت في تقديم برامج في العمل الاجتماعي.

والعمل الاجتماعي يشمل كل أنواع الخدمة الاجتماعية التطوعية الهادفة إلى مساعدة الأشخاص الذين هم في وضعية صعبة (اجتماعية، نفسية، تربوية، صحية، أسرية…).

كما أن العنصر البشري في العمل الاجتماعي صنفان: صنف فاعل في العمل الاجتماعي ومسهم فيه، و صنف منفعل به ومستفيد منه.

نحت وتأصيل المفهوم:

العمل الاجتماعي في مفهوم الطريقة القادرية البودشيشية هو عمل في المجتمع ومع المجتمع من أجل المجتمع، فهو قريب من مفهوم العمل الاجتماعي الذي رأيناه فيما سبق لكن ليس هو، فهناك نوع من التناظر ولا وجود للتماثل بينهما، بل هناك اختلاف بينهما في الشكل والمضمون.

فمفهومه في الطريقة خاص لأنه ينطلق من كونه يتميز بخصوصية قيمية، لأن قوة الفكرة فيه قوة قيمية وموجّهها تزكوي وتربوي، انطلاقا من قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها لأن العمل في المجتمع عمل قلبي ذو أهداف تربوية موجه لذوي الاحتياجات الخاصة.

إذن فالعمل في المجتمع ومع المجتمع محدد بثنائية قيمية وهي التزكية والتربية، وتعتبر أحد الموجهات والمقاصد الكبرى للطريقة، وهذا العمل في المجتمع لا يروم تحقيق أهداف سياسية أو طائفية، أو غيرها من الأهداف الاستقطابية، ولكن يرنو ترسيخ أخلاق المواطنة الصالحة والمخلصة، ودحض مزاعم الانعزال والتقوقع والانكماش، والابتعاد عن الواقع وهموم المجتمع.

التبرع بالدم ضمن أعمال التكافل الاجتماعي بمناسبة المولد النبوي، بالزاوية الأم مداغ

التبرع بالدم ضمن أعمال التكافل الاجتماعي بمناسبة المولد النبوي، بالزاوية الأم مداغ

والطريقة ترى أن العمل في المجتمع هو عمل منفتح على الجميع، فهو ينطلق من المحيط الخاص إلى المحيط الإنساني الأرحب بمعناه الكوني، لأن رؤية الطريقة هي رؤية محكومة بالإصلاح وطلب الكمال، وهو فعل يقوم على التدرج الرحيم، وليس فعل الطفرة الصادم، بل خطوة تقودك إلى خطوة أرقى منها.

كما تجدر الإشارة إلى أن الطريقة وعملها في المجتمع ومع المجتمع من أجل المجتمع يستقصي أصحاب الحاجيات في المجتمع في إطار الثنائية القيمية التي تتجلى في التزكية والتطهير لأن غايته تربوية روحية، وبهذا التوجه يتميز عن أعمال جمعيات المجتمع المدني، أو التعاونيات، أو المؤسسات الربحية أو غير الربحية، أو غيرها من الهيئات التي تشتغل في هذا المجال ويتكامل معها في خدمة المجتمع، فالطريقة تعتمد على مواردها البشرية وإمكاناتها الذاتية وتنطلق من المعين الصوفي في العمل والاشتغال.

إن العمل في المجتمع متجذر في الثقافة الإسلامية، حيث نجد في أهم مصادر التشريع الإسلامي، العديد من الآيات القرآنية والنصوص الحديثية الشريفة، التي تدعو وتحث على العمل الاجتماعي باعتباره فعلا إحسانيا، من تكافل وتضامن وتآزر وتعارف لتحقيق المحبة في الله تعالى، ولتحقيق التزكية والتربية، لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وقوله تعالى: ﴿إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، فالتعارف لا يكون إلا عن طريق التراحم والتآزر والتعاطف.

أما في السنة الشريفة من ذلك مواساة سيدتنا خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من غار حراء تثبيتا لقلبه قولها: «فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». وقوله صلى الله عليه و سلم: «الخلق عيال الله، وأنفعكم لله أنفعكم لعياله».

هذا على سبيل المثال لا الحصر، لأن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لإصلاح الفرد، و إذا صلح الفرد صلح المجتمع برمته، و لا يصلح الفرد إلا إذا تحلى بالأخلاق والفضائل الكريمة من تضامن وتكافل وتآزر وتراحم ومحبة لتحقيق الغاية الكبرى ألا وهي التزكية والتربية.

وقد أكد على هذه المعاني شيخنا المحقق المرتاض في قوله: “النفس تميل لمن أحسن إليها والله يحب المحسنين، فمن أراد أن يجمع بين محبة الخلق ومحبة الحق فعليه بالإحسان”.

رصد أولي لأشكال حضور العمل في المجتمع في طريقتنا المباركة:

توزيع الأدوية ضمن أعمال التكافل الاجتماعي بمناسبة المولد النبوي، بالزاوية الأم مداغ

توزيع الأدوية ضمن أعمال التكافل الاجتماعي بمناسبة المولد النبوي، بالزاوية الأم مداغ

لا نريد استقصاء كل الأعمال التي قامت بها الطريقة بل نريد إعطاء إشارات فقط لأشكال حضور هذا الفعل الإحساني، الذي يقدم فيه خدمات جليلة لفائدة المواطنات والمواطنين بدون تمييز بين هذا ذاك، برؤية منزهة عن فصول الغايات والأهداف، بل قوة الفكرة في الفعل الإحساني هي قوة قيمية وموجهها تزكوي تطهيري “لا نريد منكم جزاء ولا شكورا”.

  • فمثلا في العيد المولد النبوي تسهر الطريقة في مقرها المركزي بمداغ على عملية الختان لمجموعة من الأسر، كما تسهر على توزيع النظارات الطبية لفائدة الأطفال الذين يعانون صعوبات في البصر.
  • في شهر رمضان الكريم تسهر الزوايا المحلية في جميع المدن بما فيها الزاوية الأم على عملية الإفطار.
  • المساهمة في الحملات المتعلقة بالتبرع بالدم.
  • البيداغوجية: البرامج التعليمية الموجهة لفائدة الأطفال والشباب.
  • الأندراغوجية: البرامج التعليمية المقدمة للكبار قصد استدراك ما فاتهم من التعلم.

 

ذ. خالد ريحان

المداخلة ألقيت بالأيام الدراسية الثانية عشرة

رمضان 1434 / غشت 2013، بمداغ

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.