تعلم العلم وتعليمه

وصـف الله سبحانـه وتعالى نفسـه بـ”العليم” و”العلام” و”سعة العلم” و”الإحاطة” و”الخبـرة” ومـدح “العلماء” و”ذوي العلم” و”الذين أوتـوا العلـم” و”الذين لهم علم” و”الراسخين في العلم” في سور كثيرة، وآيات كريمات شتى، يبدو من استقرائها أن هناك علوما يؤتاها الأنبياء والرسل، وعلوما يخص الله بها فئة من عباده دون أخرى، وعلوما يشترك فيها بنو البشر جميعا.

فعلوم الأنبياء بالوحي والتنزيل، وعلوم الصالحين وعباد الله المخلصين بالإلهام، وعلوم سائر الناس بالأخذ والتعلم، وعلوم الأنبياء رسائل للتبليغ والهداية، وعلوم الصالحين والعباد المصطفين أسرار وخوارق،وعلوم سائر الناس لإصلاح المعاش أو المعاد. فعلوم الأنبياء اصطفائية، وعلوم الصالحين ثمرات صلاحهم وتقواهم: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [سورة البقرة، الآية : 182] وعلوم سائر الناس حسب جهدهم ومستوى ذكائهم  وخبراتهم.

وأشرف هذه العلوم جميعا وأقدسها العلم بالله سبحانه وتعالى، وقد وردت الأحاديث المستفيضة، في الحث على تعلم العلم وتعليمه نكتفي منها بذكر ما يلي:

  • قال صلى الله عليه وسلم: «اغد عالما أو متعلما أو مستمعا، أو محبا، ولا تكن الخامس فتهلك»، والمراد بالخامس الجاهل رواه البيهقي.
  • «أفضل الصدقة أن يتعلم المرء علما ثم يعلمه أخاه المسلم». رواه ابن ماجة.
  • «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله عليه طريقا إلى الجنة. وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». أخرجه الترمذي عن أبي الدرداء.

ولا يطلق لفظ العالم إلا على الذي اقترن علمه بخشيته وتقواه، وإلا “فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه”. قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [سورة فاطر، الآية : 28]. قال ابن عباس: “أي من علم قدرته وسلطانه”، وقال الزمخشري: “المراد العلماء الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده وما يجوز وما لا يجوز، فعظموه وقدروه وخشوه حق خشيته، ومن ازداد به علما ازداد منه خوفا. ومن كان عالما به كان آمنا”. وفي الحديث: «أعلمكم بالله أشدكم له خشية». قال ذو النون المصري: “إذا صح اليقين في القلب صح الخوف فيه”. وقال رجل للشعبي: “أفتني أيها العالم، فقال: العالم من خشي الله”. وقيل نزلت الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت.[1] وروى جابر رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا قوله تعالى: ﴿وما يعقلهـــا إلا العالمون﴾ قال: «العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه»[2] . وروى البخاري في كتاب الإيمان أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان إذا أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: لسنا كهيأتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول : إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا». فقرن كمال القوة العملية بكمال القوة العلمية، وكأنها ناجمة عنها ومستمدة منها وقائمة بها”[3].

وسئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال: “ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ به فقال: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ فأمر بالعمل بعد العلم”[4].

ولأجل تحقيق كمال القوة العملية والقوة العلمية دأبت هذه الزاوية، شأن معظم الزوايا قديما، على استقدام العلماء والفقهاء، ومشاطرتهم من أجل تنوير الفقراء الذاكرين والمعتكفين، ومدهم بما يحتاجونه من العلوم الشرعية الضرورية، حتى تكون عبادتهم على بصيرة، ودعوتهم إليه صادقة خالصة لوجهه الكريم.

مجلس من مجالس العلم بالزاوية الأم، مداغ

مجلس من مجالس العلم بالزاوية الأم، مداغ

وقد سن الشيخ سيدي حمزة سيرا على هذا النهج القويم، تعليم الحديث والتفسير والسيرة النبوية والقراءات وفقه العبادات والمعاملات خصوصا في الزاوية الأم، حيث يجتمع الأساتذة والطلبة وغيرهم من الذاكرين كل عطلة صيف، أو في شهر رمضان. فيتولى الأساتذة إلقاء دروس علمية في المواد المذكورة، ملتزمين بالمذهب المالكي في الفقه وبالمتون القديمة المعروفة في التعليم الأصيل. فتعم الفائدة بذلك ويكثر النفع، ويشمل التدارس كل فئات الفقراء المعتكفين خلال شهر كامل بمسجد الزاوية، لا يبرحونه إلا لحاجة ماسة أو ضرورة ملحة. وبالزاوية خزانة غنية بالمؤلفات في شتى فنون المعرفة الإسلامية، خصصت لها أوقات معينة في اليوم.

يقول شيخ الطريقة سيدي حمزة : “تعلموا العلم وعلموه الفقراء، ولا تقفوا مع علمكم، لأنه وسيلة لمعرفة ربكم، لا زي يقتنى، ولا حلية يتزين بها في المناسبات أو تتخذ للمماراة والمراآت، وإلا صار حجابا. وهو حجاب نوراني والحجب النورانية أشد، لأن إزاحتها عن القلب أعسر من الحجب الظلمانية”[5] . ويحكى عن شيخه سيدي أبي مدين أنه كان رضي الله عنه يقول: “لمذنب غارق في ذنوبه منكسر قلبه، أحوله سبيكة من ذهب، أهون علي من متعلم معجب بنفسه، مزهو بمعارفه، لا يستفيد ولا يفيد”.

وقال أبو بكر الوراق: “خضوع الفاسقين خير من صولة المطيعين”[6]، وقال ابـــن عطــــاء الله: “أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس (…) فأي علم لعالم يرضى عن نفسه وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه”[7] وقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم اكفني شر علم لا ينتفع به»[8]. وقال ابن عطاء الله: “العلم النافع الذي يبسط في الصدر شعاعه ويكشف عن القلب قناعه”[9].

والصوفية يعظمون العلماء “من أجل العلم النبوي الذي يحملونه، والوراثة التي يمثلونها”، كما يقول سيدي العباس رحمه الله، وكان يقول أيضا: “عظموا العلم، واحترموا العلماء وإن لم يكونوا على كبير استقامة، لما يحملونه من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادعوا لهم بالصلاح فإذا صلح العلماء صلحت الأمة، وإذا فسد العلماء فسد الكون كله”.

خزانة الزاوية الأم، مداغ

خزانة الزاوية الأم، مداغ

ويبتدئ تعليم الفقير الذاكر المنتظم في سلك الطريقة:

أولا: “بالعلوم الفقهية الضرورية، كأحكام الوضوء والصلاة والصيام والحج، من خلال منظومة سيدي أحمد بن عاشر رحمه الله تعالى المسمــاة “بالمرشد المعين” حتى يحفظها ويتمكن من شروحها غاية التمكن. وقد كان الشيخ سيدي حمزة يتولى تلقينها للفقراء أيام شيخه سيدي أبي مدين، فيتدارسونها الشهور الطوال بشروحها على ميارة الصغير والكبير.

ثانيا: الحكم العطائية بشرح ابن عجيبة رحمه الله، المعروف “بإيقاظ الهمم في شـــرح الحكم”. وذلك حتى يتفقه الذاكر في علم الباطن، ويرسخ في علم السلوك، ويفهم المقاصد، ويستشرف البدايات، ويسرع نحو النهايات. فإذا استشكل عليه شيء رده إلى إخوانه أو إلى شيخه.

ثالثا: السيرة النبوية من خلال كتاب “نور اليقين” للخضري بك، لاعتماده على الأحاديث الصحيحة واقتصاره على الأخبار المتواترة. كما وصفه الشيخ سيدي حمزة حينما أشار بتدريسه.

رابعا: الأحاديث النبوية المقومة للسلوك المقوية للقلب والمنهضة للعمل والجد، والمعينة على السير، والأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدءا بالأربعين النووية، وختما بالجامع الصحيح للبخاري وكتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للقاضي عياض.

ورغم أن الطريقة لا تلتزم بكتب معينة، أو مؤلفات معلومة، فالشيخ يحث المريدين على المطالعة في الكتب الدينية القديمة منها على الخصوص، “لأنها الأمهات وبها تعلم فطاحل العلماء، وتخرجت أمم وأمم، وفيها بركة السلف الصالح”. وكثيرا ما يذكر فضائل مشايخه من علماء مدرسة وجدة، الذين درس عليهم، وينوه “بدقة حفظهم، وسرعة بديهتهم، واستحضارهم، وحسن فهمهم، وغيرتهم على الدين، وفرارهم من مباهج الدنيا وفتنتها”.

ويحث مريديه على العناية بالعلماء وصلتهم، والإنفاق على طلبة العلم، خصوصا المعوزين منهم. ويقول: “كانت مهمة الزوايا في المغرب قديما الحفاظ على هذا العلم النبوي حتى لا يندثر، والتعاون على العمل به حتى ينمو وينتشر”. ويجمع حفظة القرآن بين الفينة والأخرى حتى يستظهروا الختمات تلو الختمات، وتستمر التلاوة في بعض الأحيان حتى الفجر. ويكرمهم وينفق عليهم من حر ماله. ويطلب منهم الدعاء “لأن القرآن شفيع لحامله يوم القيامة”، و“حامل القرآن كالأترجة”.

ويرغب المريدين في حفظ القرآن استظهاره والاجتماع على ختماته اقتداء بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.[10] ويقول رضي الله عنه: “يكفي أن يكون العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ليستوجب حفظ القرآن الكريم، فهو بداية العلم ونهايته”.

المراجع:

[1]  السلمي: “الطبقات”، ص: 20.

[2]  “عمدة القاري” ج : 2، ص: 41.

[3]  نفس المصدر، ج : 1، ص : 167.

[4]  نفس المصدر، ج : 2، ص : 39.

[5]  روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصبب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة».

[6]  السلمي: “الطبقات” ص : 225.

[7]  “إيقاظ الهمم في شرح الحكم” لابن عجيبة، ص : 463.

[8]  رواه أحمد في المسند، ج : 6، ص : 291 وابن ماجة في باب الدعاء.

[9]  ابن عطاء الله السكندري : ” الحكم العطائية “.

[10]  القرطبي: “الجامع لأحكام القرآن” ج : 1، ص: 30.

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.