التمسك بالشريعة الإسلامية

لا يمكن حصر المقاصد الظاهرة والباطنة للطريقة، ولا تقصى المرامي البعيدة والقريبة للتصوف الإسلامي بصفة عامة. ذلك أن مدارج السلوك متعددة لا تحصى، ومعارج الطريق إلى الله متشعبة لا تحد، وأكناف الطريق واسعة، وأقطارها شاسعة، لا يمكن تأطيرها في إطار، أو تركيزها في مبادئ قارة، وقوالب ثابتة كما تصاغ المبادئ العقلانية، والتيارات الفكرية.

وإنما نقتصر على ما يمكن أن يقرب صور الطريقة أكثر للأفهام، ويدني ما غار من أسرارها المكنونة للأذهان، وإلا فلن يسبر دفينها، ويبرز خفيها، إلا عمق التجربة وطول المراس، ومن أهم المرامي، والله أعلم:

1-  التمسك بالشريعة الإسلامية السمحاء.

2-  تعلم العلم وتعليمه.

3-  الاجتهاد في العبادات وتزكية النفس بألوان الطاعات.

4-  التخلق بكل خلق سني وخلع كل خلق دني.

5-  التزاور والتراحم والتعاون في أمور الدنيا والدين.

6-  البذل والسخاء والجود والعطاء لوجه الله تعالى.

7-  الدعوة إلى الله بالحال والعمل والقول.

وسنفرد كلا من هذه المقاصد والمرامي بالحديث، حسب ما رأيناه بأعيننا ولمسناه بقلوبنا، وسمعناه من الشيخ رضي الله عنه ومن أتباعه ومريديه، بلا زيادة زلا نقصان، بغية إظهار الحق، وإبراز مكامن الفضل حتى يعم خيره، وينتفع به الناس.

أولا: التمسك بالشريعة الإسلامية:

سرا وعلنا، حتى تستقيم سيرة المريد، وتتنور سريرته، يقول شيخ الطريقة سيدي حمزة رضي الله عنه: “طريقتنا مبنية على الكتاب والسنة “، ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [سورة الحشر، الآية : 7]” ويقول سهل بن عبد التستري رحمه الله: “أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام والتوبة، وأداء الحقوق”.

ويأمر شيخ الطريقة المريدين بالإكثار من تلاوة القرآن الكريم في بيوتهم، وإذا كانوا مجتمعين أو معتكفين في الزاوية الأم. ويقول: “إن الخير كله في القرآن الكريم، والعز كله في القرآن الكريم، والحفظ كله في القرآن الكريم”. ويقول أيضا: “لا أدفع للشرور والمصائب، والفتن والغلاء والبلاء من تلاوة القرآن الكريم” ويأمر المريدين بحفظ الحديث خصوصا من الصحيحين البخاري ومسلم، بحيث تقام الختمات لصحيح البخاري في كل مناسبة، سواء في الزاوية الكبرى أم في الزوايا المنتشرة في المدن والبوادي المغربية.

ومن أهم الوسائل التي اعتمدها في ترسيخ السلوك المحمدي في معاملات المريدين، التركيز على تدريس “المرشد المعين” لعبد الواحد بن عاشر، وكتاب “نور اليقين في سيرة سيد المرسلين” للخضري بك، وكتاب “الشفا للقاضي عياض”، حتى يستلهم المريد من المواقف النبوية، ويستمد من الآداب الصحابية، فتزرع فيه روح العمل، ومحبة خدمة الله ورسوله، وإخوانه المؤمنين الذاكرين، ويتشبه بأحوال الصحابة من تضحية، وإيثار وتفان ونكران ذات، فيسهل عليه تطبيق الشريعة الإسلامية، في حياته الفردية وعلاقاته الاجتماعية”.

وكثيرا ما يذكر المريدين بأفعال الرسول r  وأقواله وكلام الصحابة والتابعين، وما أثر عن الأولياء والصالحين. كما يستدل كثيرا بأقوال شيخه سيدي أبي مدين ” الذي لم يكد يترك من الشريعة الإسلامية صغيرة ولا كبيرة إلا وبذل وسعه في ترسمها وتطبيقها، حرفيا وبدقة متناهية، سالكا في ذلك الأشدّ ورعا “، سواء تعلق الأمر بالعبادات أم بالمعاملات، ويحمل أصحابه عليها. ” وقد ورثت عنه هذا الحال، إلا أن الوقت غير الوقت، والناس غير الناس، فلا بد في هذا العصر أن يتنازل الشيخ، وبغض الطرف عن كثير من النقائص، ولا يؤاخذ بها المريد، لأن طلب وجه الله في هذا الزمان عزيز، وحمل الناس على الجادة حملا، ربما ينفرهم بالمرة “.

ونسرد هنا جملة من أقوال أولياء الله الصالحين من مختلف الأعصار والأمصار، نرد بصريح عبارتها إنكار من ادعى على الصوفية عدم التزامهم بالكتاب والسنة، مستدلا ببعض الشواذ أو المجاذيب أو المنتسبين إلى التصوف. قال أبو الحسن الوراق : ” لا يصل العبد إلى الله إلا بالله، وبموافقة حبيبه المصطفى r في شرائعه “[1] ويقول أيضا : ” الصدق استقامة الطريقة في الدين، واتباع السنة في الشرع “[2]. وقال الشيخ أبو علي الجوزجاني  : ” الطرق إلى الله كثيرة، وأصح الطرق وأعمرها، وأبعدها عن الشبه، اتباع السنة قولا وفعلا، وعزما وعقدا ونية “[3]. وقال سيد الطائفة الإمام الجنيد رحمه الله تعالى : ” الطرق إلى الله كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع سنته ولزم طريقته، فإن طرق الخير كلها مفتوحة “[4]. وسئل أبو يزيد البسطامي عن السنة والفريضة، فقال : ” السنة ترك حطام الدنيا، والفريضة الصحبة مع المولى، لأن السنة كلها تدل على ترك الدنيا، والكتاب كله يدل على صحبة المولى، فمن تعلم السنة والفريضة فقد كمل”[5]. ويقول الحارث المحابي في رسالة المسترشدين[6]: “فمن شرح الله صدره ووصل التصديق إلى قلبه، ورغب في الوسيلة إليه، لزم منهاج ذوي الألباب برعاية حدود الشريعة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وما اجتمع عليه المهتدون من الأئمة، وهذا هو الصراط المستقيم، الذي دعا إليه عباده، فقال عز وجل : ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم بـــه لعلكــم تتقــــون﴾ [سورة الأنعام، الآية: 154].

وكان الشيخ ابن الهيثمي يقول: “الشريعة ما ورد به التكليف، والحقيقة ما حصل به التعريف، فالشريعة مؤيدة بالحقيقة، والحقيقة مقيدة بالشريعة، والشريعة وجود الأفعال لله، والقيـــــام بشـــروط العلـــم”[7]. وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي يقول: “ارجع عن منازعة ربك، تكن موحدا، واعمل بأركان الشرع، تكن سنيا، واجمع بينهما تكن محققا”[8]، ويقول الشيخ محمد بن سليمان الجزولي: “من شرط التائب أن يقتدي بشيخ عالم بالظاهر والباطن، وينتهي عما كان يفعل من الشر، ويفعل الخير ما استطاع منه (…) ويبع سنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ويوالي أولياء الله، ويعادي أعــداء الله”[9]. وكان سيدي امحمد بن عبد الله معن كثير المراعاة للحقوق، وكان يعلم أهله وعياله، ويعظهم ويذكرهم ويحملهم على اتباع الكتاب والسنة، ويقول: “الشريعة حتى إلى الماء والرمل، والحقيقة حتى إلى الماء والرمل”[10]، وكان سيدي عبد الرحمان الفاسي يقول: “على قدر قرب الإنسان من حال النبي صلى الله عليه وسلم يكون كما له، وعلى قدر بعده منه يكون نقصه”[11].

وبهذا قضى التصوف الإسلامي على النزعات الباطنية، التي كانت تتخذ من القول بأن الشريعة ظاهر وباطن، ذريعة للاستدراج والخروج عن الدين وأحكامه. كما استنفذ، بتمحوره حول محبة شخص الرسول r وآل بيته، كل الأوراق التي كان يتاجر بها الشيعة والتشيع المذهبي، فحيث ما انتشر التصوف وسار، انحسرت النزعات الباطنية وخمدت الاتجاهات الشيعية الحادة المسرفة.

وأجمع الصوفية أن كل حقيقة تأتي بها التجربة الصوفية لا تلتزم بالشريعة وأحكامها، فهي دعوى باطلة وزندقة لا تمت للإسلام بصلة. وبهذا القيد المتين صار التصوف علما إسلاميا معتبرا، ومشروعا حضاريا روحانيا، وفهما ذوقيا للإسلام، وكتب له الانتشار والدوام والاستمرار في أحضان السنة، ومذهب الجماعة.[12] وقال الشيخ سيدي حمزة: “طريقتنا هي طريقة الكمال المحمدي، والسر الرباني ولا يحفظ أنوار السر سوى التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله r حسب الاستطاعة ومقتضى العصر «فما شادّ أحدكم الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا» كما قال صلى الله عليه وسلم.

ويقتضي التمسك بالشريعة الإسلامية عقيدة سليمة، وعلما صحيحا وعملا صالحا. ولا صلاح لعلم من العلوم الكونية إلا بربطه بحكمة الشريعة الإسلامية وأحكامها، وإحاطته بسياج السنة النبوية وضوابطها، وصرفه إلى نفع الخليقة، بما انتفعت به الزمرة الأولى السائرة على السبيل القويم، والصراط المستقيم، وهذا ما تعمل هذه الطريقة المباركة على تحقيقه.

المراجع

[1]   الطبقات، ص : 299.

[2]   نفس المصدر، ص : 300.

[3]   نفس المصدر، ص : 247.

[4]   نفس المصدر، ص : 159.

[5]   نفس المصدر، ص : 174.

[6]   الحارث بن أسد المحاسبي،”  رسالة المسترشدين “، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، حلب، 1988.

[7]   الشعراني، ” الطبقات الكبرى “، ج : 1، ص: 145.

[8]   نفس المصدر، ج : 2، ص: 5.

[9]   المهدي الفاسي : ” ممتع الأسماع ” تحقيق عبد الحي العمراوي، 1989، ص: 24.

[10]   نفس المصدر.

[11]   انظر ترجمته في ” الممتع “.

[12]   انظر مجلة ” المريد ” عدد : 3، 1991، ص : 38 – 39.

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.