استضافت الزاوية الأم بمداغ يوم الجمعة 13 ماي 2017 وفدا يضم أساتذة وباحثين ينتمون إلى مختبرات التراث والمجال، والدراسات الحضرية، ومختبر البيبليوغرافيا التحليلية والتوثيق للتراث المغاربي، وكذا طلبة الدكتوراه وطلبة ماستر المدن التراثية والتنمية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز- فاس، وقد استُقبل الوفد من طرف بعض أطر الطريقة الذين رحبوا بضيوف الزاوية معبرين لهم باسم شيخ الطريقة الدكتور مولاي جمال الدين عن سرورهم بهذه الزيارة التي ترسخ التعاون العلمي والثقافي بين الباحثين والمؤسسات ذات الاهتمام المشترك [أي البحث العلمي في التراث الروحي والثقافي].

ومن جهته عبر الدكتور بوشتى الخزان أستاذ التعليم العالي منسق ماستر المدن التراثية والتنمية عن شكره وامتنانه للدكتور مولاي جمال الدين شيخ الطريقة القارية البودشيشية على كرم الضيافة وحسن الاستقبال الذي حظي به الوفد، موضحا أن هذه الزيارة العلمية التكوينية إلى رحاب الزاوية الأم بمداغ تدخل في إطار تعريف الباحثين الشباب بهذه المنارة العلمية والروحية وبأعلامها وما تزخر به هذه المؤسسة من تراث علمي وروحي وأخلاقي الذي يعد جزءا لا يتجزأ من هويتنا الدينية والحضارية.

وقد اشتمل برنامج هذه الزيارة العلمية التكوينية على التعرف على بعض مرافق الزاوية ومعالمها، ومنها ضريح سيدي الحاج المختار المجاهد –رحمه الله- حيث قدم الدكتور محمد الهاطي عرضا للحضور أبرز فيه الدور الجهادي لشيوخ ورجال الطريقة القادرية البودشيشية الذين جمعوا بين الجهاد الأكبر مجاهدة النفس من الداخل، والجهاد الأصغر مقاومة المستعمر من الخارج. مؤكدا أنه بفضل أدوار هذه الزاوية العلمية والتربوية وأعمالها الاجتماعية والجهادية عبر قرون، وخاصة خلال القرن التاسع عشر، أسدل عليها الملوك العلويون رداء التوقير والإجلال وراعوا لها تلك الحرمة، مستدلا على ذلك بمجموعة من الرسائل المتبادلة ووثائق الأرشيف الفرنسي التي تأكيد مدى الدور الذي اضطلع به رجال الزاوية خلال فترة الحماية خصوصا. كما أبرز المتدخل أن هذه الروح الوطنية متأصلة في رجال الزاوية القادرية البودشيشية ومتوارثة بين أفرادها وأقطابها.

بعد ذلك توجه أعضاء الوفد الزائر لضريح الشيخ سيدي حمزة قدس سره، وبعد الترحم على روحه الطاهرة قدم الأستاذ حمزة ألوح نبذة عن هذا العلم ومساره العلمي والتربوي الحافل، وبدية سلوكه للطريق الروحي على يد سيدي بومدين بن المنور -رضي الله عنه- وتقلده مهمة الإرشاد وتجديد الأذكار، وكما أبرز المتدخل المواقف الوطنية الخالدة للشيخ سيدي حمزة نور الله ضريحه.

بعد ذلك توجه الوفد لزيارة المدرسة القرآنية والمطعم التابعين للزاوية وهناك قدم الدكتور محمد مهدوي عرضا حول بعض الأدوار التربوية والاجتماعية التي تضطلع بها الزاوية وخاصة ما يتلقه براعم وشباب الطريقة من تكاوين داخل الزاوية بدءا بحفظ للقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والفقه باعتماد متن ابن عاشر، مرورا بالجلسات التكوينية الخاصة بالتأهيل التربوي والروحي المبني على الوسطية والاعتدال ووحدة المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني وإمارة المؤمنين وصولا للجلسات التكوينية التي تقدم للشباب حول العلوم العصرية، كما ذكر المتدخل ببعض الأدوار الاجتماعية التي تضطلع بها الزاوية الأم بمداغ على غرار جميع فروع هذه الزاوية؛ كتوزيع النظارات الطبية لفائدة الأطفال الذين يعانون صعوبات في البصر، والسهر على عملية الختان بمناسبة عيد المولد النبوي، كما تسهر الزوايا المحلية في جميع المدن بما فيها الزاوية الأم على عملية الإفطار في شهر رمضان الكريم، وكذا المساهمة في الحملات المتعلقة بالتبرع بالدم…

بعد ذلك توجه أعضاء الوفد لزيارة ورش المسجد الكبير حيث الأشغال على قدم وساق لاستكمال هذه المعلمة التي ستحتضن معهد الفتح للعلوم الشرعية، وهناك قد الدكتور مصطفى بوزغيبة عرضا حول الأدوار الاستشرافية لهذه المعلمة وخاصة على مستوى ترسيخ النموذج المغربي في التدين وكذا نشر قيم السلم والاعتدال في العالم.

ليفُتح المجال للطلبة الباحثين –للاستفسار-، فثمنوا  هذه المداخلات العلمية التي فتحت لهم آفاق البحث العلمي في التراث الصوفي، وأعربوا عن أهمية مثل هذه الزيارات العلمية الميدانية التي تزودهم بالصورة الحقيقة عن الزاوية القادرية البودشيشية والتصوف عامة، كما مكنتهم هذه الزيارة من الوقوف عن كثب على الأدوار العلمية والتربوية والإشعاعية التي تضطلع بها الزاوية.

ومباشرة بعد المناقشة أخذ الوفد استراحة شاي، ليكون لهم بعد ذلك موعد مع مشاهدة شريط يعرض المسار الكرونولوجي لعشر سنوات من عمر الملتقى العالمي للتصوف الذي يترأسه فضيلة الدكتور مولاي منير نجل شيخ الطريقة والذي يُنظم بمناسبة المولد النبوي من كل سنة.

لتختتم بعد ذلك أشغال هذا الزيارة العلمية التكوينية بجلسة للذكر والسماع تخللتها كلمات بعض الأساتذة أعضاء الوفد الذين عبروا عن استفادتهم وانتفاعهم من هذه الزيارة المباركة، متقدمين بالشكر الجزيل إلى فضيلة الدكتور مولاي جمال الدين شيخ الطريقة القادرية البودشيشية على كرم الضيافة وحسن الاستقبال الذي حظي به الوفد، كما نوه المشاركون بالمجهودات المبذولة في سبيل الرقي بالزاوية، متعهدين بمواصلة مثل هذه اللقاءات العلمية والروحية.

وبعد ذلك رفعت أكف الضراعة إلى العلي القدير بالدعاء لمولانا أمير المؤمنين بالعز والنصر المبين، وللمغرب أن يجعله الله بلدا آمنا وسائر بلاد المسلمين.

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.