وفاء لهوية التصوف البنائية والمنفتحة، وإخلاصا من الطريقة القادرية البودشيشية لمسارها المتنامي في خدمة التصوف وأهله والمجتمع ومكوناته، واسترسالها الهادف في إقامة ملتقاها العالمي السنوي للتصوف الجامع بين العلم والعمل والسلوك والمدارسة الفكرية، تأبى هذه الطريقة الميمونة إلا أن تجعل من ملتقاها الثامن هذا رَحِما لموضوع البناء المتوازن للإنسان توازن إصلاح يعالج قضايا معاصرة وأخرى متأصلة في كينونة الفرد والمجتمع الإنسانيين، وذلك توافقا مع طبيعة الإنسان في ارتباط بمتطلبات الواقع الراهن الموسوم بالعديد من ملامح الرداءة، والآمال في مثل ملتقانا هذا تجاوزها تجاوز تخلية وتحلية إصلاحيتين متوازيتين.

rms8-2014

في أفق هذا المطمح طُرح “التصوف وبناء الإنسان: نحو إصلاح متوازن” موضوعا للملتقى العالمي الثامن للتصوف في زمن مدته العاشر والحادي عشر والثاني عشر من ربيع الأول خمس وثلاثين وأربعمائة وألف (1435هـ) للهجرة الموافق للثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر من يناير سنة أربعة عشر وألفين للميلاد في عشر جلسات مستهلة بجلسة افتتاحية وأخرى ختامية، وتقرير تفصيلها كالآتي:

الجلسة الافتتاحية: يمكن اختصار فحواها في ما ضمته كلمة مدير الملتقى فضيلة الأستاذ الدكتور مولاي منير القادري بودشيش من معانٍ وإشارات لا يسع متتبع ما جاء في جلسات الملتقى إلا أن يقر باختصارها الدقيق والهادف لما فاضت به مختلف مداخلات الملتقى، وذلك بفعل إحاطة فضيلته بموضوع البناء الصوفي للإنسان وخصوصية الإصلاح فيه وما يُمكن استشرافه استنادا إلى هذا الأساس المشيِّد لقيم التخليق.

iftitah_moltaka

الجلسة الأولى: كانت تحت عنوان “الإصلاح والبناء الإنساني مداخل ومقومات” عالج فيها المتدخلون المسألة الأخلاقية ودورها في بناء الإنسان والمجتمع، وكذا دورها في الحفاظ على البيئة والأرض مادام الإنسان مستخلفا فيها ومُؤمّنا عليها وعلى ما فيها، داعين إلى تحقيق توازن دائم ومتماه مستمر مع إنسانية هذا الإنسان من خلال ممارسة صوفية كفيلة ببنائه وبناء مجتمعه في مختلف مجالات الحياة معتبرين الطريقة القادرية البودشيشية نموذجا في هذا السياق.

jalssa1_rms8

الجلسة الثانية: اختير لها كعنوان “التربية الصوفية وبناء الإنسان”، أجمع المتدخلون فيها على أن ملأ الفراغ الروحي الذي أصبح يعاني منه الإنسان المعاصر وضبط نفسه وتزكيتها والارتقاء بروحه والسفر بها في مدارج الكمال وتحقيق الوجود الإنساني المتوازن لن يتحقق إلا من خلال تبني منهج رباني يستهدف بناء الفرد من الداخل أولا.

jalssa2_rms8

الجلسة الثالثة: تناولت هذه الجلسة موضوع “القيم الروحية والبناء الحضاري” وانصبت جل مداخلاتها على إبراز هذه القيم في الحضارة الإسلامية. فقيمة السلام في هذه الحضارة مناقضة للعنف رافضة له داعية للرفق والسلم حتى في أوقات العنف المُشرْعَن من قبيل الدفاع عن الوطن والدين.

أما قيمة المحبة فقد ظهر للمتدخلين فقدانها في عالم اليوم الذي أصبح يضج بالصراعات والحروب مما يفيد أنه أحوج ما يكون إلى هذه القيمة لتحقيق سعادة الإنسان المعاصر وإعادة التوازن إلى حياته من منظور صوفي. وهذا يستدعي اعتماد المنهج الإصلاحي الصوفي نموذجا للمنهج المثمر للقيم الروحية البانية لرجالات الصلاح والإصلاح ولنماذج التخلق، والمشيدة للحضارة الأخلاقية.

jalssa3_rms8

الجلسة الرابعة: تمحورت مداخلات هذه الجلسة حول “الإصلاح الصوفي من المنظور الشرعي” حيث تم التركيز فيها على التأصيل الشرعي والمقصدي لهذا الإصلاح فضلا عن إثارة مجموعة من القضايا المستثمرة لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمثمرة لها، وحمل المكلفين للامتثال التام للمشرع الحكيم في كل التصرفات التعبدية والاعتيادية وفق منهج صوفي أساسه الصحبة والاقتداء بالنموذج المربي الحي قولا وعملا وحالا اقتداء حيا يربط تصرفات المكلف بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقواله وأحواله، وقد ارتبط الشق العملي في جل مداخلات هذه الجلسة بالمنهج التربوي لشيخنا سيدي حمزة رضي الله عنه الذي يثمر صناعة الإنسان الأخلاقي المتوجه إلى الله الصادق في إقامة العبودية لله المحب والخالق للناس بالأخلاق الحسنى.

jalssa4_rms8

الجلسة الخامسة: قاربت هذه الجلسة موضوع “مظاهر البناء الروحي للإنسان” مركزة على تبيان دور التصوف في تحقيق التوازن بين المادة والروح وتجليات مظاهر الوسطية والاعتدال سلوكيا وعمليا استنادا إلى التجليات الأخلاقية المنبعثة من اتباع أوامر الحق سبحانه وتعالى.

jalssa5_rms8

الجلسة السادسة: تخصصت مداخلات هذه الجلسة في بيان “دور التصوف في البناء الأسري والمجتمعي”، حاول المتدخلون فيها الوقوف على مجموعة من الموضوعات المندرجة تحت هذا الموضوع المحوري؛ من ذلك دور التصوف في التنمية الذاتية، وبناء الإنسان منذ طفولته بناء متوازنا مفيدا في بناء الأسرة المتماسكة والمجتمع المتناغم مما يسهم في التشييد الحضاري على أساس القيم الصوفية والروحية، وهذا بناء متصل اتصالا وثيقا بالإذن الوراثي التربوي الذي شرّف الحق سبحانه وتعالى به أوليائه العارفين المربين الدالين عليه دلالة الوصل والوصال. فيما دعت بعض المداخلات إلى إعادة التوازن إلى العلاقة بين الدليل والمدلول من خلال الاهتمام بالمدلول المقصود من الاشتغال بالدليل.

jalssa6_rms8

الجلسة السابعة: اختصت هذه الجلسة بالحديث عن الجانب الجمالي في الكتابة الصوفية ودورها الفعال في التأثير على النفوس وتنمية الذوق والسمو بالحس الجمالي عند المتلقي سواء كانت هذه الكتابة شعرا أو نثرا، حِكَمًا أو صلوات على سيد الوجود عليه الصلاة والسلام.

jalssa7_rms8

أما الجلسة الثامنة فتعلق موضوعها بـ“التصوف وقيم الحوار الإنساني” وتناولت دور القيم الروحية في الحوار بين الأديان والحضارات وصناعة حياة تهدف إلى التوافق دون إقصاء لأحد، الصوفي لا يكره أحدا لأنه تحقق بالتوافق مع ذاته؛ لذلك ارتقى إلى الاندماج مع الآخر والتواصل معه. كما بينت المداخلات قيمة التربية والأخلاق الصوفية حيث إنها تشكل روح الأعمال وجوهرها، والدعوة الصوفية تسير وفق خارطة روحية صالحة لكل البشر وقادرة على تخليص الإنسان من تعلقاته؛ لأنها تصدر عن قيم الرحمة والجود والعطاء والوجود ينفعل بالجود.

jalssa9_rms8

أما الجلسة التاسعة الموسومة “ببناء الإنسان في المنظومات القيمية المعاصرة” فقد دارت فعالياتها حول الخصوصية الإسهامية للنظر البنائي الصوفي للإنسان في ضوء الأنظار البنائية العامة، وهذه الخصوصية تتركز أساسا في المنهج البنائي العملي والواقعي الذي يتميز به التصوف والذي يظهر في التزكية بجميع محصلاتها بما في ذلك العلاقة مع الشيخ المربي.

jalssa10_rms8

في حين تركزت أشغال الجلسة العاشرة التي وسمت ب“القيم الروحية وقضايا الاقتصاد والمجتمع” حول الجوانب العملية والتطبيقية للقيم الروحية في المجال الاقتصادي والتي يمكن للبنوك الإسلامية في صيغتها التشاركية أن تكون مجالا تطبيقيا لها، وهذا لا يتحقق إلا بالتركيز على المقوم الروحي؛ المقوم الرئيس في الإنسان الذي منه يتم الانتقال من الفردي إلى الجماعي، مع التنبيه على الآثار السلبية التي يمكن أن يتسبب فيها إغفال هذا المقوم والتي تظهر في عدد من السلوكات الخطيرة المؤثرة في المجال المالي والمجتمعي إجمالا، وفي الأخير تجدر الإشارة إلى أن المتدخلين في هذه الجلسة أجمعوا على دور التربية الروحية في نقل الإنسان من مستهلك فوضوي سلبي إلى مستهلك نوعي إيجابي.

وفي الجلسة الختامية تلى مدير الملتقى الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، البرقية المرفوعة للمقام العلي بالله أمير المومنين جلالة الملك محمد السادس أعز الله أمره، كما تنبغي الإشارة إلى تميز جلسات هذا الملتقى باحتضان لغة أخرى لم نعهدها من قبل تنضاف إلى العربية والفرنسية والإنجليزية هي اللغة الروسية.

sidi-mounir-rms8

توصيات الملتقى:

خرج الملتقى العالمي للتصوف في دورته الثامنة بمجموعة من التوصيات الهامة نذكر منها الآتي:

  • الانفتاح على المؤسسات التعليمية والتربوية في المناسبات الدينية، وترسيخ القيم الروحية في النشئ، مع إدراج حصص سلوكية تربوية في المقررات التعليمية على جميع المستويات.
  • الانفتاح على الجامعة المغربية وتشجيع الطلبة على البحث في الخطاب الصوفي تاريخيا وفكريا ولغويا وأدبيا إسهاما في إحياء التراث الصوفي دراسة وتحقيقا.
  • تمكين المكتبات المغربية وتزويدها بمؤلفات الزوايا المغربية.
  • تنظيم حملات تحسيسية للتعريف بالأدوار التعليمية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية للزوايا المغربية.
  • العمل على تنظيم مخيمات صيفية للأطفال تستدمج القيم الروحية وترسخ الهوية الدينية والحضارية للمملكة المغربية.
  • إدراج مداخلات باللغة الأمازيغية والحسانية في الملتقى تعزيزا للهوية المغربية المتعددة الروافد.
  • الانفتاح على مختلف الاتجاهات والروافد الفكرية والثقافية ومد جسور التعاون والتواصل والحوار البناء والفعال إيمانا من الزاوية بثقافة الاختلاف واحترام الآخر.
  • ضرورة استمرار فعاليات الطريقة وملتقاها العلمي وتوسيع إشعاعها الفكري والروحي في الجهة الشرقية للمملكة وغيرها من الجهات داخل الوطن وخارجه.
  • الحرص على رفع التقرير العام للملتقى إلى الهيآت الدولية المهتمة بالشأن القيمي والروحي ودوره في خدمة الإنسان والمجتمع، باعتبار الملتقى في هويته العالمية والروحية قوة اقتراحية.
  • مناشدة المنظمات الدولية لتبني نصوصا تجرِّم الإساءة للدين الإسلامي ومقدساته ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ذ. عبد العلي الوردي

ذ. عبد الرحيم السوني

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.