بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المتقين المبعوث رحمة للعالمين وعلى عترته الطاهرين وصحابته الغر المُحجلين؛

اعلموا سيداتي سادتي، مريدي ومريدات طريقتنا المباركة، أن أساس هذه الطريقة متين مبني على الكتاب والسنة، متجل في قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (سورة الحشر: 7) وفي قوله ﷺ: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى المحجة الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ» [أخرجه ابن ماجه (43)، والحاكم (1 /96)، وأحمد (4 / 126)].

وتعمل هذه الطريقة على إصلاح النفوس وتزكيتها، بالتخلق بالأخلاق الربانية، وكما ورد في الأثر «تخلقوا بأخلاق الله»، وبذلك فالطريقة تهتم بإصلاح الفرد والمجتمع، وتأهيلهما لخدمة الوطن بكل صدق وأمانة، وإخلاص.

وتكوين المريد بالتوجه لله تعالى والاستقامة على النهج المحمدي القويم، وذكر الله الذي ينور القلوب، ويزرع فيها المحبة لجميع خلق الله، ليكون بذلك نموذجا عمليا يقتدى به، وذلك من خلال التزام الاستقامة المستمدة من قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك﴾ (سورة هود:112)، والتي أوضحها سيدنا محمد ﷺ في سنته من خلال أقواله وأفعاله وتقريراته، فديننا الحنيف دين لطف ورحمة، وليس دين عنف وتشدد، قال رسول الله ﷺ «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق» (أخرجه البيهقي) والمؤمن ليِّن هيّن كالسنبلة،  بعيد عن الغلو والتطرف، وكما قيل: التصوف ضد التطرف.

فطريقتنا هذه، طريقة تربية وذوق، كما قال والدي وشيخي وسندي إلى الله سيدي حمزة قدس الله سره: «التصوف أخلاق وأذواق وأشواق». فعندما يذوق المريد حلاوة الذكر يتحلى بكل الفضائل، ويتخلى عن جميع الرذائل، ويكون بذلك مرآة صافية ناصعة، تعكس صورة الإسلام الصحيح.

إذا حلّت الهداية قلباً نشِطت للعبادة الأعضاء

فطلب التصوف من حيث إنه سلوك إلى الله تعالى، واتباع منهاجه القويم، فرض عين على كل مسلم ومسلمة، لأن الإنسان مجبول على الخطأ، مفتقر للتوبة، والتوبة تقتضي لين القلب، ولين القلب يقتضي استحضار عظمة الله تعالى ورقابته، وهي جميعها أمور لا تتأتى إلا بالمداومة على السير إليه سبحانه، تحت نظر خبير مرب، وكما قال سيدي ابن عاشر رحمه الله تعالى:

يصحَبُ شيخًا عارف المسالك يــقيــه في طريقــه المهــالك
يُذَكِّـــــــره الله إذا رآه ويُوصلُ العبـد إلى مولاه

وهذا جوهر التصوف، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يقول تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون لعلكم تفلحون﴾ (سورة النور: 31)، وقال عز وجل: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ (سورة البقرة: 197) فهذا أمر إلهي يدعو إلى الرجوع إلى الله، والدخول في منهاج طريقة التوبة والتزكية.

أيها السادة، أيتها السيدات، الذاكرين والذاكرات؛

 يا من قال فيكم الحق عز وجل مخاطبا رسوله الكريم ﷺ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (سورة الكهف:28) يا من جئتم من كل حدب وصوب إلى هذه الدار، منبع الأنوار والأسرار، أدعوكم كما أدعو نفسي للصبر والثبات في هذه الطريقة؛  لأن الله مع الصابرين، وكما قال الشاعر:

الصبر كالصبر مُرٌّ في مذاقه لكن عواقبه أحلى من العسل

والتحلي بصفة الصبر تؤدي بالمريد إلى التخلق بأخلاق الأنبياء والمرسلين والصالحين، فالطريق طويل والزاد قليل، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آل عمران:200)

كما أدعوكم إلى الإكثـار من ذكره تعالى، والالتزام بالأذكار التي تركها شيخنا سيدي حمزة قدس الله سره، ورفع ذكره، والتي كان يحثنا دائما على المحافظة عليها، كما أدعوكم لملازمة مجالس الذكر وإعمارها، وذلك من خلال أداء الأوراد، وحضور الوظيفة، وأذكار التقوية، والاعتصام، وسائر برامج الطريقة وثوابتها.

وإن من أهم ثوابت الطريقة كما تعلمون، التوجه إلى الشيخ المربي الدال على الله بالحال والمقال، فالتوجه كما هو معروف عند القوم، هو محبة الدال على الله، وكما قيل: «إذا أحب الله عبدا دلّـه على من يدلـه عليـه»؛ فالشيخ قلبه معلق بالله، فإذا علقت قلبك به، يعلق قلبك بالله.

فالشيخ قلبه موجه إلى الله، إذا وجهت قلبك إليه يوجه قلبك إلى الله، فالشيخ كالأستاذ مع طلبته، فإذا أحب الطالب أستاذه وتوجه إليه بفتح حواسه كلها إليه، استفاد من فوائد دروسه، وكما قيل في التربية «العلم يؤخذ من أفواه الرجال»، والطالب الذي لا يحب أستاذه يحرم من الاستفادة من علومه، فهكذا نقرب توجه المريد في سَيره مع شيخه.

فالشيخ يساعد المريد على التوجه بقلبه لله، وتحقيق التوحيد الخالص، فكمال التوجه هو أن يصير قلب المريد موافقا لقلب الشيخ المربي، يحب ما يحبه شيخه، ويكره ما يكرهه، تحقيقا لقاعدة السير التي يشير إليها القوم بقولهم: «فسيروا على سيري».

كما أدعوكم إلى المزيد من الاجتهاد في الإنفاق في سبيل الله، والتعاون على حمل أعباء طريقتنا المباركة، بتشييد وبناء صرح هذه الزاوية التي يقصدها الطالبون لوجه الله تعالى، وكما ثبت في السيرة النبوية الشريفة، فإن صرح الإسلام إنما ارتفع بعد فضل الله أولاً وأثناء وآخرا، بفضل إنفاق الصحابة في سبيل الله تعالى، وابتغاء مرضاته، بذلا للنفس والنفيس، قال النبي ﷺ: «ما نفعني في الإسلام مثل ما نفعني مال أبي بكر» (أخرجه الترمذي في السنن)، ولذلك سُمي أبو بكر بِالصديق لكثرة تصديقه ومحبته وتوجهه لرسول الله ﷺ، فلذلك كان سيدنا أبو بكر الصديق أعلى الصحابة درجة ومقاما. حتى «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح»  أي إيمان أبي بكر رضي الله عنه. (رواه ابن عدي في الكامل)

أحبتي في الله

إن هذه الذكرى المباركة لهي الأولى التي تلتئم أنوارها، بعد انتقال الشيخ الوالد المربي العارف بالله، سيدي حمزة قدس الله سره، إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، بعد عُمر حافل، بحمد الله جل وعز، من الغرس والإعمار، والرِّفد والتشذيب، والتهذيب، والمعالجة، والتطبيب، حتى ازدهرت كما بشّر به العارفون الثمـار وأينعت، وأخرج، بفضل الله ورعايته، الزرعُ شطأه فآزره، فاستغلظ واستوى  على سوقه، يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، فاللهم أجزل مثوبته، وأعظم أجره، وبيض بنا وجهه السني في الدنيا والآخرة آمين.

إننا ونحن نتعرض إلى هذه النفحات الربانية في مناسبة مولد سيد الخلق ﷺ لـننـيط بواجب الشكر على نعمـاء التأليف في بابه، بين قلوبنا، في هذه الساحة الرضوانية المباركة بإذنه، مستحضرين قوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة الأنفال: 63-64)، وإنني لأسْتَذكـر بهذا الصدد، وصية الشيخ الوالد، سيدي حمزة، قدس الله سره، لنا، بكسر الموازين بيننا وبين الخلق، وتقويتها على النفس تحت رقابة ربّ الخلق، تبارك اسمه وجل ذكره سبحانه.

إن المحافظة على نعمة التأليف بين المُهج والأرواح، والقلوب التي أكرمنا الله عز وجل بها، لا يمكن أن تتم بدون المحافظة على أمره، واجتناب نهيه، وإكرام خلقه، والتعاون معهم بإذنه سبحانه على البر والتقوى، ومحبتهم وتعظيمهم، ولا سيما الفقراء، فتعظيمهم من تعظيم الشيخ، وتعظيم الشيخ فرع من تعظيم مصدر السرّ الموروث بفضله تعالى واجتبائه، له سبحانه الحمد والمنة والثناء الحسن.

أيها السادة، أيتها السيدات، الذاكرين والذاكرات؛

قد وفقتم بتوفيق الله سبحانه وتعالى، للوصل بين الجلال والجمال ارتقاء، بفضل الله عز وجل، لذُرى الكمال، فأصبحتم بحمد الله مع إخوانكم وأخواتكم في المشارق والمغارب، من محبي سيدنا رسول الله ﷺ، والسائرين على محجته، أحييتم مجمع النور الذي يفتت دعاوى الكراهية للإسلام والمسلمين، بسبب ما يروجه المغرضون، وبسبب ما يقوم به المارقون الإرهابيون، كما يفندُ هذا المجمع الكريم وأمثاله في المشارق والمغارب، محاولات نسبة التطرف والتشدد زورا لدين الله.

أيها الإخوة

لقد أصبحتم بفضل الله وجوده وإحسانه، مركزا نورانيا متصلا برياض الملكوت، التي بزهر جمال سيدنا محمد ﷺ، مونقة، وبحياض الجبروت، التي هي بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا وهو به منوط ﷺ، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط، صلى الله عليه صلاة كاملة وسلم عليه سبحانه، سلاما تاما، صلاة وسلاما، يليقان به منه إليه، كما هو أهله. وذلك فضل الله يوتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

وختاما أدعوكم إلى الاجتهاد في المحافظة على كتاب الله العزيز والتمسك بما جاء فيه، والعمل بسنة المصطفى ﷺ قدوتنا إلى الله، والتمسك بثوابت الطريقة والإكثار من ذكر الله تعالى، والحرص على الوحدة، والاتحاد، وجمع الشمل، والألفة، ونشر هذه الطريقة المباركة بالحكمة والموعظة الحسنة، والبعد عن القيل والقال، والموازين، وستر العورات والعيوب.

كما أدعو الجاليات المقيمة بالخارج إلى العمل بإخلاص في بلدانهم المضيفة، والإسهام في تنميتها بالالتزام بأخلاق الإسلام السمحة، بعيدين كل البعد عن مظاهر العنف والتطرف؛ الذي شّوه صورة الإسلام، فيكونوا بذلك خير سفراء لبلدهم، ملتزمين بقوانين وتشريعات كل بلد مضيف.

كما أدعو المريدين والمريدات من باقي الجنسيات ودول العالم إلى محبة بلدنا الأمين، ومحبة ملكه أمير المومنين صاحب الجلالة سيدي محمد السادس أعزه الله، وسدد خطاه، ووفقه في سائر أعماله. فطاعة ولي الأمر واجبة شرعا مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (سورة النساء: 59)

أيتها السيدات والسادة،

إن الملتقى العالمي للتصوف الذي تسهر الزاوية على تنظيمه كل سنة، تحت الرعاية السامية لمولانا أمير المومنين، وإدارةٍ من طرف ابننا البار سيدي منير حفظه الله، ورعاه وسدد خطاه، وقوّاه على حمل أعباء هذا الإنجاز العلمي الكبير، لأكثر من عقد من الزمان، لهو بحق منارة علمية مباركة، ساهمت في تجديد خطاب التصوف، ومدارسة قضاياه، وتقديمها لعموم المهتمين بهذا الفن الأصيل. مما يجعلنا ندعو له بكمال النجاح والتوفيق، ومزيد التشجيع والتحفيز.

ندعو الله تعالى أن يحفظ ملكنا الهمام بما حفظ به الذكر الحكيم، ويوفقه للخير ويعينه عليه، ويحفظه في ولي عهده المحبوب مولاي الحسن، ويعضده بصنوه السعيد المولى الرشيد، وسائر الأسرة الملكية الشريفة، ويعين المغاربة على وحدة الوطن والحفاظ على أمنه واستقراره، وصون حدوده، كما نسأله سبحانه أن يحفظ  بلدنا وسائر بلاد المسلمين من كيد الكائدين ومكر الماكرين، اللهم وفّق المسلمين لجمع كلمتهم، وعمّم عليهم السلام والأمن والإيمان وعلى الإنسانية جمعاء. إنك ربنا تباركت وتعاليت سميع مجيب الدعاء.

﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون﴾  (التوبة: 105)
صدق الله العظيم

(*) ألقى الكلمة نيابة عن الشيخ نجله الدكتور سيدي منير مدير الملتقى العالمي للتصوف

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.