ألقى شيخ الطريقة الدكتور مولاي جمال الدين كلمة توجيهية للمريدين والمريدات في اجتماع مجلس الطريقة الذي انعقد بمناسبة ليلة الأربعين لوفاة الشيخ سيدي حمزة قدس الله روحه، وذلك يوم الجمعة 26 جمادى الأولى 1438هـ / 24 فبراير 2017م، بمقر الزاوية الأم بمداغ، وتجدر الإشارة إلى أن الاجتماع قد ضم مقدمي الطريقة ومجالس الزوايا ومتفقدي الجهات مريدين ومريدات من داخل المملكة المغربية وخارجها.

وفيما يلي نص الكلمة:

بٰـسم الله الرحمـٰن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد صاحب الحسن والجمال، والبهجة والكمال، وعلى آله الأبرار، وعلى صحابته الغر الأخيار.

معشر الذاكرين والذاكرات، أيها الأحبة الأعزاء؛

مرحبا بكم جميعا في داركم وزاويتكم، فنحن أسرة واحدة تجمعنا رابطة المحبة وطلب وجه الله عز وجل، فقد فقدنا جميعا شيخنا ووالدنا ومربينا، الذي اختاره الله سبحانه وتعالى إلى جواره الكريم، فلبـى داعي الله مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه». فهو الآن بإذن المولى مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وقد تركـنا طيب الله ثراه على عهد الله ورسوله، غير مبدلين ولا مغيرين، ولا فاتنين ولا مفتونين، ونحن ملتزمون بعون الله وتأييده بما قلدنا إياه من المضي على النهج القويم، وإننا على العهد ماضون، ولأمانة طريقتنا المباركة حافظون إن شاء الله تعالى.

معشر المريدين والمريدات؛

إن الرابطة الروحية التي تجمع قلوبنا تستوجب المحافظة على العهد الذي أخذناه عن جدنا سيدي الحاج العباس وزكاه بطابعه وإذنه المبارك والدنا المشمول بعفو الله ورضاه شيخنا سيدي حمزة قدس الله سره كما هو منصوص عليه في الوصية. والالتزام بما قُلدنا إياه بمواصلة طريق التزكية والتسليك.

إن التوجه كما هو معلوم عند القوم، يعتبر شرطا لتزكية النفوس وتهذيبها، وتحقيق الاستمداد والترقي الروحي بالتدرج في تحصيل سني المقامات وصفي الأحوال.

ولذلك أوصى أهل الله والأكابر من العارفين بالحرص عليه وعدم التفريط فيه، واجتناب الالتفات إلى غير الشيخ المربي، ففي صدد الالتزام بصحبة العارف بالله، يقول الله عز وجل: ﴿الرحمن فاسأل به خبيرا﴾، ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن من الناس لمفاتيح لذكر الله إذا رؤوا ذكر الله»، فالشيخ قلبه موجه إلى الله، فإذا توجه المريد إليه، وجه قلبه إلى الله تعالى، فقلب الشيخ المأذون معلق بالله، فإذا تعلق به المريد، علق قلبه بالله، فهو دال على الله بالحال والمقال، لذا على المريدين الطالبين وجه الله، محبة الشيخ وتعضيد وتعزيز الارتباط به، وضرورة الاقتداء به، مصداقا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. وكما ورد في هذا المعنى في كتاب عوارف المعارف للسهروردي: “كن مع الله، وإذا لم تكن مع الله، كن مع الذي مع الله، يوصلك إلى الله”.

فالتوجه هو صدق محبة المريد لشيخه، وحسن الظن به. وإياكم والتفريط في هذا الركن المكين، والثابت المعين، ليحصل للمريد الانتفاع بصحبة شيخه مع استحضار معنى التعظيم في الله لضمان سير آمن وسليم، يحفظ المريد من المهالك والآفات، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم مع مربي الأمة وكاشف الغمة وعالي الهمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة.

فإياكم والاغترار بما يتجلى من فضل الشيخ وطريقته على مريديه من كرامات وأحوال ورؤى ومشاهدات وتجليات وفتوحات في العلم وغير ذلك من مظاهر الفضل والوقوف عنده، فكلها نابعة من قلب الشيخ المتعلق قلبه بحضرة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فينبغي للمريد أن ينسب كل هذه الفيوضات والتجليات لشيخه، ولا يدعيها لنفسه فيتعرض للسلب والحرمان من هذا الفضل.

ولذلك فعلامة شكر نعمة هذه الصحبة، وتقوية هذه الرابطة بين المريد وشيخه، هو الإكثار من ذكر الله امتثالا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا﴾، فالذكر المأذون يحيي القلوب ويطهرها من الذنوب وينقيها من الكدورات والشهوات ويخرجها من الغفلات، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره، كمثل الحي والميت»، فيصير المريد مشتغلا بعيوبه لا بعيوب غيره، ف«ذكر الله دواء وذكر الناس داء» كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم.

كما أننا قد جددنا الإذن في جميع الأذكار الفردية والجماعية التي ورثناها عن والدنا وأبينا الروحي. ونوصي بالمحافظة عليها، والتمسك بها، والاجتهاد في أدائها مع حسن الأدب في مجالسها، وتعظيمها من أجل الانتفاع بها، والاستفادة من أسرارها وفيوضاتها، لتنعكس على سلوكـنا وأخلاقنا. فكما هو معلوم عند الصوفية الأخيار، في قولهم المشهور: “التصوف أخلاق، فمن زاد عليك في الأخلاق، زاد عليك في التصوف”، وهذا هو مدلول قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

ولذلك يجب الابتعاد عن الاجتماعات غير المأذونة، التي تفتح عشوائيا بالمدن والقرى، والتي يكون ظاهرها ذكرا، لكن باطنها شعوذة، وخوض في المحظور من الأمور. فكل اجتماع يفتح دون علم المقدم ولا تعرف هويات أفراده ومقاصدهم يعد اجتماعا لاغيا وممنوعا. ويجب إحاطة المقدم علما به فورا ليكون على اطلاع ودراية لما يجري فيه، فهناك اجتماعات تفتح باسم التصوف والطريقة، ولا علاقة لها بالإسلام.

فمن حاد عن جادة هذه التعليمات والتوجيهات، لا يلومن إلا نفسه. فهذا الأمر بالغ الأهمية.

إننا ندعو السادة المريدين والسيدات المريدات إلى الإكثار من الزيارة للزاوية الأم، مقر سكنى الشيخ، وحيثما حل وارتحل، قصد انتفاع القلوب من السر المكنون في باطن الشيخ. وحتى لا يتشتت توجه الذاكر والذاكرة. فقد ورد في الحديث الشريف، قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما يأكل الذئب من الغنم، الشاة القاصية».

معشر الذاكرين والذاكرات؛

يا من جئتم من كل حدب وصوب إلى هذه الدار العامرة لا لغرض من الأغراض، اللهم إلا طلب وجه الله تعالى، والاغتراف من الأسرار التي أودعها الله بأمره وإذنه في قلب شيخها، وفي هذا الصدد سمعت من في والدي وجدي قدس الله روحيهما، “أن من يأتي عندي لا يأتي من أجل رؤيتي وإنما يأتي من أجل هذا السر المكنون في”، كما كان يقول رحمه الله: “اذهبوا وابحثوا في بقاع المعمور، فإذا وجدتم من عنده هذا السر فأحيطوني علما لآتي عنده وآخذ عنه هذا السر مثلكم. فذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم”.

 لذا أوصيكم وألح عليكم ألا تغتروا بالكلام المعسول، فالسر لا يوجد إلا في قلوب الرجال الذين اختارهم الله واصطفاهم وأهلهم من بين خلقه للتربية وتنوير الخلق.

كما نحيطكم علما، أننا قد أَذنا في إنشاء مشيخة للطريقة، نهجا على ما جرى به عمل الطرق الصوفية كافة، تسهر على حسن سير أعمال الطريقة، بالتنسيق والإشراف والمتابعة لشؤونها، وتسهيل التواصل والاتصال بشيخها، وتواكب انتشار هذه الطريقة المباركة في كافة أرجاء المعمور.

  وقد صرح بذلك مرارا وتكرارا المشمول بعفو الله، والدنا طيب الله ثراه: “طريقتنا هذه طريقة كونية”.

كما أننا ندعو إلى النهوض بالعلم والتكوين، من خلال اجتهاد أطر الطريقة أساتذة وعلماء، في إظهار وتعميم العلم النافع وكل ما يمكن أن يبرز قيمة التربية الصوفية وإسهاماتها في صلاح الأفراد والمجتمعات.

وهذا ما ينبغي أن تسهر عليه الهيئة العلمية للطريقة، فالزوايا كانت مؤسسات علمية صانت العلوم الشرعية، وكانت مدارس لتلقين وحفظ الكتاب والسنة، فأنتم تعلمون ما نتوق إليه من تحقيق ما كان يصبو إليه والدنا قدس الله روحه، من أن يصير هذا المسجد الذي مازال في طور البناء معلمة جامعية كبرى، يساهم الكل فيها من أجل جلب اهتمام الطلبة والراغبين في تلقي العلوم الشرعية وتعميق معرفتهم وفق التعاليم السمحة لديننا الإسلامي الحنيف.

معشر الذاكرين والذاكرات؛

تعلمون أن التصوف ثابت من ثوابت الهوية الدينية للمملكة المغربية الشريفة، الذي هو مقام الإحسان، والذي هو من مراتب الدين، ويهدف إلى نشر قيم المحبة والرحمة والسلام بأسلوب هين لين، كما جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن هين لين كالسنبلة».

فطريقتنا هذه مبنية على التمسك بالكتاب والسنة مصداقا لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾.

وختاما ندعو الله أن يوفق مولانا أمير المؤمنين، حامي حمى الملة والدين، ويحفظه في صحته ويصونه في حله وترحاله. ويقر عينه بولي عهده المحبوب مولاي الحسن، ويشد عضده بصنوه السعيد الأمير مولاي رشيد وبكافة أسرته الشريفة، كما ندعو الله تعالى أن يجعل بلدنا هذا بلدا آمنا مطمئنا، سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأن يقينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويجعلنا وإياكم من عباده الصادقين المخلصين أمين والحمد لله رب العالمين.

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.