اصطلح الصوفية قديما وحديثا على إطلاق لفظ الطريق أو الطريقة على النهج المحمدي الرباني المبني على الممارسة العملية للواجبات الدينية، مع الإكثار من النوافل، وألوان الرياضات الروحية التي تسمح بها الشريعة الإسلامية، بغية الترقي إلى أرفع درجات الإحسان الذي به يكمل الدين ويتم اليقين.[1] فالطريق والسبيل والسنة والمحجة والصراط كلها بمعنى واحد. قــــال تعـــالى: ﴿إن الذين كفروا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا [سورة النساء، الآية : 168]، ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا [سورة الجن، الآية : 16].

أما لفظ السبيل فقد ورد في القرآن الكريم ما يفوق السبعين مرة، مضافا في أغلب الأحيان إلى الله تعالى. وأضيف إلى المؤمنين في قوله تعالى : ﴿يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم [سورة النساء، الآية : 115] وإلى الكافرين وإلى المجرمين وإلى ذوي الرشد والأنابة. وورد اللفظ بـ “أل” العهدية للدلالة على سبيل الأنبياء والمرسلين، قال تعالى : ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا [سورة الإنسان، الآية : 3] وقال سبحانه : ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل [سورة الأحزاب، الآية : 4].

واقترن لفظ ” الصراط ” في القرآن الكريم بالاستقامة، قال تعالى : ﴿اهدنا الصراط المستقيم [سورة الفاتحة، الآية : 6]، وقال عز وجل : ﴿ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما [سورة الفتح، الآية : 2] وقال سبحانه : ﴿قل إنني هداني ربي صراطا مستقيما [سورة الأنعام، الآية : 162].

ورد لفظ ” السنة ” بمعنى السبيل والطريق أيضا كما في قوله تعالى : ﴿سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا [سورة الإسراء، الآية : 77]. قال في الفروق اللغوية: “إذا قلنا سنة رسول الله فالمراد بها طريقته وعادته التي دام عليها وأمر بها”[2].

والفرق بين الصراط والطريق يكمن في سهولة الصراط وصعوبة الطريق. فالصراط يقتضي التذليل والتيسير، فهو الطريق الممهد السهل الميسر، والطريق “لا يقتضي السهولة، والسبيل اسم يقع على ما يقع عليه الطريق وعلى ما لا يقع عليه الطريق”[3].

ولعله من هذا الاقتضاء اختار الصوفية لفظ الطريق دون سواه، وذلك لما يكتنفه من صعوبات،  وما يتخلله من عقبات كامنة في نفس الإنسان، قابعة في قلبه، لا يتخلص منها إلا بالسلوك، فإذا سلك، سلك الصراط المستقيم.

ومادته من ” ط.ر.ق ” غنية بالمعاني، ثرية بالظلال الروحية الموحية. فهو في اللغة من الطرق وهو القرع والضرب، ومن الطروق : أي الإتيان بالليل، والطارق نجم الصبح، وبه أقسم سبحانه في سورة النجم، قال تعالى : ﴿والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق، النجم الثاقب [سورة الطارق، الآيات: 1 -3].

والطريق شريف القوم وأمثلهم، والطرق القوة والبأس، والطرق : ضعف العقل[4]. ولكل هذه المعاني ما يقابلها في طريق التصوف، مما يمكن تحصيله بولوج طريق الذوق والعروج في كمالات الدين.

فالصوفي لا يفتأ يطرق باب الحضرة الإلهية حتى يفتح له، والصوفية هم أهل الليل والمناجاة، والتأملات والسبحات، والاستغفار بالأسحار، حيث تطرقهم الطوارق من واردات نورانية، وإلهامات ربانية، وهم عاكفون في خلواتهم، ينتظرون إمدادات ربهم، فرادى أو جماعات، صفوفا أو حلقا محلقين حول أمثلهم خلقا، وأصوبهم عملا، وأطيبهم نفسا، وأمتنهم عقيدة، وأشدهم تقى، ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم [سورة الحجرات، الآية : 13].

والصوفي قوي بربه، عزيز بتقواه وطاعته، قوي الإرادة لا يفتر عن الصلاة والذكر والعبادة، قوي الإيمان، شديد التعلق بأمور الآخرة، ولهان بمحبة الله، مستهتر في اللهج بأسمائه، ذاهل عن نفسه لا يعبأ بغير حبيبه، حتى إنه قد يبدو وكأنه مطروق.

ويقتضي الطريق البداية والنهاية، والانطلاق والوصول، والسير والسلوك. والسير ألوان وأشكال، فمنه : المشي والسعي والهرولة والسرى والجري. ورواد الطريق أنماط ومعادن، فمنهم : من يمشي على بطنه مثقلا بشهواته ونزواته، ومنهم من يمشي على رجلين معتدلا في أموره، قائما بواجباته، ومنهم من يمشي على أربع مسرعا نحو غايته ومطلوبه، ومنهم من يطير بجناحيه لا يلوي على شيء حتى يحقق أسمى مرغوب وأعلى مقام.

وفي الحديث : ” قال أبو بكر : هذا رجل يهديني السبيل ﴿ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ). وقال تعالى : ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا [سورة الإسراء، الآية : 19] وقال سبحانه : ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا مـــن المسجد الحـــرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنــــا حولـــه [سورة الإسراء، الآية: 1] وقال تعالى : ﴿أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم [سورة الملك، الآية : 22].

والطريق واحدة وإن اختلفت أزمنة روادها، ومدارجهم ومشاربهم فهي طريق الأنبياء والرسل، وطريق الصالحين وأولياء الله تعالى تطبعها البساطة، ويسمها التواضع وتغلب عليها الشعبية، لأنها تلتصق بالإنسان أصلا قبل أن تهتم بمكتسباته، وتربطه بحقيقته قبل أن تربطه بمحيطه.

المراجع

[1]  يوسف محمد طه زيدان “الطريق الصوفي”، بيروت، 1991، ص: 19.

[2]  “الفروق اللغوية”، لأبي هلال العسكري، 1981، بيروت، ص : 246.

[3]  نفس المصدر.

[4]  انظر الفيروز بادي، باب القاف، فصل الطاء.

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.