الشيخ محيي الدين عبد القادر بن موسى بن عبد الله الجيلاني قدس الله سره، يرجع نسبه إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه[1]، وأمه فاطمة بنت الشيخ عبد الله الصومعي الحسيني المعروف بزهده[2]. وينتسب الشيخ عبد القادر قدس الله سره إلى جيلان من طبرستان.

ولد الشيخ عبد القادر عام 470 هـ في جيلان. وجيلان إقليم يقع في الجنوب الغربي لبحر قزوين في إيران. وتوفى برواق مدرسته بباب الأزج ببغداد[3].

بقي الشيخ عبد القادر الجيلاني في بلدته جيلان ثمانية عشر عاما ًحيث تلقى بعض علوم الدين.

وفي عام 488 هـ سار إلى بغداد التي كانت منارة العلم والحضارة ومركز العلماء والفلاسفة ومجمعاً للفقهاء والمحدثين والمفسرين ومنتدى للشعراء والكتاب وأصحاب التراجم والسير والتاريخ، ومحراباً للزهاد والصوفية[4].

تلقى الشيخ عبد القادر قدس الله سره علم التصوف عن الشيخ حماد بن مسلم الدباس (توفي عام 525 هـ) وأخذ الخرقة عن يد القاضي الصوفي أبي سعيد المبارك المخرمي، نسبة إلى محلة في بغداد، الذي كان حنبلي المذهب (توفي عام 551 هـ).

حصل الشيخ عبد القادر علوم القرآن والأصول والفروع على عدد من المشايخ منهم: علي بن عقيل الحنبلي، ومحفوظ الكلوذاني الحنبلي، ومحمد بن القاضي، ومحمد بن الحسين بن محمد بن الفراء الحنبلي[5].

حبب إليه شيخه حماد الدباس المجاهدات والرياضات، وكان هذا الشيخ قدوة لمشايخ بغداد، فساح الشيخ عبد القادر في صحراء العراق، ملازماً الخلوة والمجاهدة، متحملاً المشاق من مخالفة النفس ومحاربة الهوى، وملازمة السهر والجوع، والمقام في الأماكن المنعزلة، مقبلاً على الاشتغال بالعبادة، وتلاوة الأذكار[6].

وفي ذلك يقول الشيخ قدس الله سره: «قاسيت الأهوال في بدايتي، فما تركت هولاً إلا ركبته، وكان لباسي جبة صوف وعلى رأسي خريقة، وكنت أمشي حافياً في الشوك وغيره، وكنت أقتات بخرنوب الشوك وقمامة البقل وورق الخس من شاطئ النهر»[7].

برع الشيخ عبد القادر في الوعظ وتدريس علوم الدين، وكان على المذهب الحنبلي، فالتف حوله الكثير من المريدين والتلاميذ، وقيل أنه فاق أهل زمانه، في علوم الدين وعلم التصوف، وكان زاهداً تقياً، حتى قال عنه عبد الله بن قدامة (توفي سنة 620 هـ) الفقيه الحنبلي الكبير صاحب رسالة (ذم ما عليه مدعو التصوف): «لم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه، ولا رأيت أحداً يعظمه الناس، للدين أكثر منه»[8].  حتى أن ابن تيمية، قال عن طريقته: «إنها الطريقة الشرعية الصحيحة»[9].

ويقول المفكر يوسف زيدان: «بخصوص الطريقة القادرية، فقد كانت من أهم الطرق الصوفية وأوسعها انتشاراً، خاصة أن هناك عوامل عديدة تضافرت لتؤدي في النهاية إلى قيام هذه الطريقة واستمرارها قوية بعد وفاة مؤسسها، وأهم هذه العوامل أربعة:

أولاً: اهتم الجيلاني بإرساء قواعد طريقته على الأصول الواضحة في الكتاب والسنة، مما جنب آراءه خطر الوقوع في مزالق التأويلات والخوض في الفرعيات، فظلت طريقته واضحة المعالم، حميدة التناول بعد وفاته بقرون.

ثانياً: ترك الشيخ عبد القادر الجيلاني ذرية كثيرة، فقام أولاده وأحفاده على إحياء طريقته من بعده فخلفه في مشيخة الطريقة…[ الشيخ ] عبد الرزاق (توفي عام 603 هـ).

ثالثاً: تلقى العديد من الصوفية الوافدين من أقطار العالم الإسلامي الطريقة القادرية وخرقة الصوفية تلقيناً ومبايعةً من الإمام الجيلاني قدس الله سره سواء في مكة المكرمة أم بغداد، وقد عمل هؤلاء على نشر الطريقة بأقطارهم الدانية والقاصية في حياة الأمام وبعد وفاته، ويضاف إلى ذلك أيضاً، أثر القادرية التي قام بها بعض أولاد الأمام وأحفاده في سياحاتهم بديار المسلمين، سواء لطلب العلم أم للسير على قدم التجريد.

رابعاً: أدت فاجعة القرن السابع الهجري –أعني سقوط بغداد على أيدي المغول الهمجية سنة 656 هـ إلى إضفاء لون اللامركزية على الطريقة القادرية– فلم تعد مدرسة الجيلاني وأسرته ببغداد محط أنظار القادرية في العالم الإسلامي، وإنما اعتبرت فروع القادرية أصولاً للطريقة تستلهم قوتها من ذاتها ومن مؤلفات الجيلاني  التي كانت قد ملأت الأرض آنذاك»[10].

المراجع:

[1] الشيخ عبد القادر الكيلاني – الفتح الرباني والفيض الرحماني – ص 5.

[2] الشيخ عبد الوهاب الشعراني – الطبقات الكبرى – ج 1ص 126.

[3] الشيخ ابن العماد الحنبلي – شذرات الذهب في أخبار من ذهب – ج 4 ص 202.

[4] د . محمد درنيقة – الشيخ عبد القادر الكيلاني وأعلام القادرية – ص 23 – 24.

[5] المصدر نفسه – ص 23– 24.

[6] الشيخ يوسف النبهاني – جامع كرامات الأولياء – ج 2 ص 202 .

[7] الشيخ عبد الوهاب الشعراني – الطبقات الكبرى – ج 1ص 127 .

[8] د . عبد المنعم الحفني – الموسوعة الصوفية – ص 114 .

[9] المصدر نفسه – ص 114 .

[10] يوسف محمد طه زيدان – الطريق الصوفي – ص 175 – 176 – 178 .

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.