إن الناظر في سير الأئمة الأعلام يسترعي انتباهه ذلك الطابع الأخلاقي الذي كان صفة ملابسة لسيرهم، وهي حقيقة تؤكد أن اشتغالهم بالفقه لضبط أحكام الجوارح لم يكن ينفصل عن الحكم الأخلاقي الذي يوجه ويضبط الجوانح، بل إنهم كانوا يرون أن كل بناء فقهي لم يؤسس على أساس أخلاقي لا يجدي صاحبه نفعا.

ومن هنا نحتاج إلى إعادة قراءة سير الأئمة قراءة أخلاقية، حتى نتبين المنهج الأخلاقي والتربوي الذي أخذوا به ولقنوه لتلاميذهم.

 ولعل الجانب الأخلاقي في سيرة الإمام مالك يعد من أهم المقاصد التي ينبغي أن يحرص على دراستها الباحثون ،حتى يقربوا مضامينها للأجيال، ليحصل النفع بها، ويتمثلوها في سلوكهم، ويدركوا أن الفقه لا ينفصل عن جوانبه الأخلاقية.

أولا: الأساس الأخلاقي للفتوى عند الإمام مالك:

يعتقد كثير من الناس أن الفتوى صناعة يمكن أن تتعلم بمجرد معرفة بعض الأحكام والإجتهادات، أو بذل أي جهد عقلي، حتى ولو أوصل إلى الآراء الشاذة، أو المتسيبة أو المتطرفة.

والحقيقة أن المعرفة الفقهية وحدها لا تكفي، بل لابد من تحصيل الشروط الأخلاقية، وهذه الشروط هي :

1- الأهلية الأخلاقية الكاملة:

وهي صفة تمكن صاحبها من عدم التسرع في الفتوى دون ربطها بالمسؤولية الأخلاقية للمفتي، وفي ذلك يقول الإمام مالك : “إذا سألك إنسان عن مسألة فابدأ بنفسك فأحرزها “[1]،

 وقال أيضا : سمعت ابن هرمز يقول : “ينبغي أن يورث العالم جلساءه قول لا أدري، حتى يكون ذلك أصلا في أيديهم يفزعون إليه، فإذا سئل أحدهم عما لا يدري، قال : لا أدري”[2].

وكان مالك يقول: “من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه قبل أن يجيب على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب”[3].

فالمسؤولية الأخلاقية للمفتي تقتضي أن يكون محصلا لهذا الشرط الأخلاقي، ولذلك كان من منهج الإمام مالك عدم التسرع في الفتوى، بل كان يحرص على تقليب النظر، ويحذر من الآفات الباطنة التي يمكن أن تلابس الفتوى، قال ابن عبد الحكم:  كان مالك إذا سئل عن المسألة قال للسائل : “انصرف حتى أنظر فيها فينصرف ويتردد فيها، فقلنا له في ذلك فبكى وقال: إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأي يوم “[4].

وقد سار على  هذا المنهج مع تلاميذه، فيروي ابن وهب قال : “جاء رجل يسأل مالكا عن مسألة فبادر ابن القاسم فأفتاه، فأقبل عليه مالك كالمغضب وقال له: جسرت على أن تفتي يا عبد الرحمان؟ يكررها عليه، ما أفتيت حتى سألت هل أنا للفتيا موضع؟ فلما سكن غضبه قيل له: من سألت؟ قال : الزهري وربيعة الرأي”[5].

وفي حكاية أخرى جاء إلى مالك رجل يوما بعد صلاة الصبح، وكان مالك لا يتكلم حتى تطلع الشمس فجلس الرجل ما شاء الله ثم قام ليذهب فقال ابن دينار: ما شأنك؟ فأخبره فأفتاه ابن دينار، فلما انفتل مالك قال: يا محمد تفتي؟ قال: أصلحك الله، لم يطمع الرجل فيك، وقام ليذهب، فخشيت أن يذهب بجهالة، فأفتيته بما أعلم من مذهبك، فقال له مالك: عجلت “[6].

والأهلية والأخلاقية لا تحصل إلا بتزكية الباطن، وتحليته بالأوصاف الحميدة، ومجالسة الصالحين والأخيار، قال مالك : “كنت كلما أجد في قلبي قسوة آتي محمد بن المنكدر، فأنظر إليه نظرة فأتعظ بنفسي أياما”[7].

2- السلامة من الآفات الأخلاقية التي تلابس الإفتاء:

ومن هذه الآفات:

أ- آفة العجب وطلب الرئاسة:

وهي من الآفات التي قد يصاب بها من يتصدر للفتوى، فيستدرجه ذلك إلى الإكثار من الإفتاء، طلبا للرئاسة على الخلق، وغرورا وإعجابا برأيه، وقد يجره ذلك إلى الإفتاء فيما لا يدري، روي أن بعضهم قال لمالك : إذا قلت أنت يا أبا عبد الله لا أدري، فمن يدري؟ قال: ويحك ما عرفتني، ومن أنا؟ وأي شيء منزلتي حتى أدري ما لا تدرون؟ ثم يحتج بحديث ابن عمر وقال: “هذا ابن عمر يقول لا أدري فمن أنا؟” وإنما أهلك الناس العجب وطلب الرئاسة، وهذا يضمحل عن قليل[8].

وقد نبه الإمام مالك –رحمه الله- أن حب الرئاسة من الآفات الأخلاقية التي ينبغي أن يحاربها العلماء، حتى تكون أقوالهم سليمة من الشوائب النفسية، وفي ذلك يقول: “ينبغي للرجل إذا خول علما، وصار رأسا يشار إليه بالأصابع أن يضع التراب على رأسه، ويمقت نفسه إذا خلا بها، ولا يفرح بالرئاسة ،فإنه إذا اضطجع في قبره وتوسد التراب ساءه ذلك كله”[9].

وقد كان الإمام مالك يتعاهد تلاميذه ويذكرهم بهذه الآفات الأخلاقية، ويحرص على أن لا يصابوا بغرور أو عجب، وفي ذلك يروى أن ابن القاسم قال لمالك : ليس بعد أهل المدينة أعلم بالبيوع من أهل مصر.

 فقال مالك: ومن أين علموها؟

قال: منك.

 قال مالك: ما أعلمها أنا فيكف يعلمونها بي “[10].

ب- الفخر بالفتيا واشتهاء الكلام:

وهي آفة يصاب بها العلماء فتجر عليهم البلوى من حيث لا يشعرون، إذا تصبح الرغبة الدفينة في نفس العالم هي حب الخطابة والكلام حتى يشار إليه، ويقال فيه عالم، وذلك ينافي الإخلاص وتلقين العلم لوجه الله، وإذا فقدت هذه المعاني لم يكن قصد العالم البحث عن مراد الله، بل إن ذلك قد يحول بينه وبين الوصول إلى الصواب، يقول الإمام مالك : ” ما شيء أشد علي من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام، لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا، وإن أحدهم إن سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدا لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب، وعليا، وعلقمة، خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل، وهم خير القرون الذين بعث فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ،وكانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسألون، ثم حينئذ يفتون فيها، وأهل زماننا قد صار فخرهم الفتيا، فبقدر ذلك يفتح لهم من العلم “[11].

ولعل في قصة أشهب ما يدل على أن تلاميذ الإمام مالك قد تشربوا هذا المنهج ،فكانوا يستشعرون أن كل ما صدر منهم إن لم يكن حجة لهم فهو حجة عليهم، قال يونس : ” دخلت على أشهب في مرضه الذي مات فيه، فقال لي : يا يونس.

 قلت: لبيك.

قال: انظر ما ها هنا وأشار إلى كتبه، ماذا جمعت من الحجج على هذا البدن الضعيف، ما أستريح إلا أن آخذ المصحف فأضعه على صدري “[12].

وقال أسد: “أتيت ابن القاسم فقال لي: أنا مشغول بنفسي وجعلت الآخرة أمامي، ولكن عليك بابن وهب”[13].

ثانيا : الأساس الأخلاقي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الإمام  مالك:

إن تدبير الشأن الأخلاقي داخل المجتمع جزء من مسؤولية العلماء، إلا أن هذا التدبير يحتاج إلى أن يكون العالم متحليا بأخلاق العلم والرحمة والرأفة والرفق واللين، وهي أخلاق إذا صاحبت التوجيه والإرشاد كان لها تأثير، بخلاف أخلاق الفضاضة والعنف والقسوة، فقد تكون نتائجها عكسية على المجتمع ووحدته. ولم يعد صاحبها من أهل العلم الربانيين، وفي هذا الصدد قال الزبيري:

 قلت لمالك : إن من الناس من آمرهم فيطيعونني، ومنهم من إذا أمرتهم أتأذى منهم، الشعراء يهجونني، والمسلّطون يضربونني ويحبسونني فيكف أصنع؟

 قال : إن خفت وظننت أنهم لا يطيعونك، فدع وانكر بقلبك، ولك في ذلك سعة، ومن لم تخش منه فأمره وانهه، وخاصة إذا أردت به وجه الله تبارك وتعالى، فإنك إذا كنت كذلك، لم تر من الله إلا خيرا، وبخاصة إذا كان فيك شيء من لين، ألا ترى قول الله تعالى لموسى وهارون : ( فقولا له قولا لينا )[14] فإذا قسوت في أمرك لم يقبل منك، وتعرضت لما تكره، وخرجت من جملة أهل القرآن والعلم[15].

ولذلك كره مالك الجدال في الدين وقال : “ليس الجدال في الدين بشيء”[16] وقال أيضا : “المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب العبد، وفي رواية إنه يقسي القلب ويورث الضغن”[17].

وقال الهيثم بن جميل: قيل لمالك: الرجل له علم بالسنة يجادل عنها؟

قال : لا ولكن ليخبر بالسنة، فإن قبل منه وإلا سكت.[18] ومن ثم لم يجز الإمام مالك لأحد أن يكفر أحدا بذنب فأهل القبلة كلهم مسلمون[19].

قال القروي: سمعت ابن أبي حنيفة يقول لمالك: إن لنا رأي نعرضه عليك، فإن رأيته حسنا مضينا عليه، وإن رأيته سيئا نكبنا عنه، قال: لا نكفر أحدا بذنب، المذنبون كلهم مسلمون.

 قال: ما أرى بهذا بأسا.[20]

ثالثا: الوصايا الأخلاقية للإمام مالك:

كان للإمام مالك مع تلاميذه لحظات يلقن فيها إلى جانب الفقه الآداب والأخلاق  والشمائل، وقد ترك لنا وصايا متعددة، وكان يرغب تلاميذه في تعلم شمائله بعد إكمال سماعهم منه، وفي ذلك يقول يحيى بن يحيى التميمي: قال : أقمت عند مالك بن أنس بعد كمال سماعي منه سنة أتعلم من هيئته وشمائله، فإنها شمائل الصحابة والتابعين.[21]

ومن وصايا الإمام مالك نأخذ النماذج التالية:

1- قوله في مجالسة الصالحين: قال خالد بن حميد سمعته يقول عليك بمجالسة من يزيد في علمك قوله، ويدعوك إلى الآخرة فعله، وإياك ومجالسة من يعللك قوله، ويعيبك دينه ويدعوك إلى الدنيا فعله.[22]

2- قوله في تلاوة القرآن وذكر الله: أكثر تلاوة القرآن، واجتهد أن تأتي عليك ساعة من ليل أو نهار، إلا ولسانك رطب من ذكر الله.[23]

3- إنما التواضع في التقى في الدين لا في اللباس، التواضع ترك الرياء والسمعة.[24]

4- الزهد في الدنيا طيب المكسب ،وقصر الأمل.[25]

5  – لا يستكمل الرجل الإيمان حتى يخزن لسانه.[26]

 6- ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يقذفه الله في القلوب.[27]

7 – قال مالك: بلغني أنه ما زهد أحد في الدنيا واتقى، إلا نطق بالحكمة.[28]

 8- وقال: إذا ذهب الرجل يمدح نفسه ذهب بهاؤه.[29]

9- وعن ابن وهب، قال: قيل لمالك ما تقول في طلب العلم؟ قال: حسن جميل، لكن انظر الذي  يلزمك من حين تصبح على أن تمسي.[30]

10- الدنو من الباطل هلكة،والقول بالباطل بعد عن الحق،ولاخير في شيء وإن كثر من الدنيا بفساد دين المرء ومروءته.[31]

11- قال مالك:ما تعلمت العلم إلا لنفسي،وما تعلمت ليحتاج الناس إلي ،وكذلك كان الناس.[32]

12- قال مالك:من أحب أن تفتح له فرجة في قلبه،فليكن عمله في السر أفضل منه في العلانية.[33]

13- وقال أيضا:أدب الله القرآن،وأدب رسوله السنة،وأدب الصالحين الفقه.[34]

المراجع:

[1] ترتيب المدارك، ج : 1، ص : 18.

[2] نفس المرجع، ج : 1، ص : 182.

[3] نفس المرجع، ج : 1، ص : 179.

[4] نفس المرجع، ج : 1، ص : 178.

[5] نفس المرجع، ج : 1، ص : 142.

[6] نفس المرجع، ج : 3، ص : 19.

[7] نفس المرجع، ج : 2، ص : 52.

[8] نفس المرجع، ج : 1، ص : 184.

[9] نفس المرجع، ج : 3، ص : 61.

[10] نفس المرجع، ج : 1، ص: 185.

[11] نفس المرجع، ج : 1، ص: 179.

[12] نفس المرجع، ج : 3، ص : 221.

[13] نفس المرجع، ج : 3، ص : 263.

[14] سورة طه: الآية 44.

[15] نفس المرجع، ج : 3، ص : 63.

[16] نفس المرجع، ج : 2، ص : 39.

[17] نفس المرجع، ج : 2، ص : 39.

[18] نفس المرجع، ج : 2، ص : 39.

[19] نفس المرجع، ج : 2 ص 39

[20] نفس المرجع، ج : 2، ص : 48.

[21] نفس المرجع، ج : 1، ص : 171.

[22] نفس المرجع، ج : 2، ص : 64.

[23] نفس المرجع، ج : 2، ص : 65.

[24] نفس المرجع، ج : 2، ص : 60.

[25] نفس المرجع، ج : 2، ص : 63.

[26] نفس المرجع، ج : 2، ص : 63.

[27] نفس المرجع، ج : 2، ص ج: 63.

[28] سير أعلام النبلاء:الذهبي ج8 ص109.

[29] سير أعلام النبلاء:ج8 ص 109.

[30] حلية الأولياء: أبو نعيم ج 6ص 319.سير أعلام النبلاء ج8ص97.

[31] تذكرة الحفاظ:  ج1 ص211.

[32] سير أعلام النبلاء:ج8ص66.

[33] ترتيب المدارك ج2ص60.

[34] ترتيب المدارك ج2ص 63.

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.