كل طريق الا ولها اشارات مرور تقننها، وكل طريق الا ويؤدي السير فيه قدما مع احترام تلك الاشارات الى الخطو والتقدم فيه شيئا فشيئا ثم بالتالي الوصول الى الهدف. إذا أخذنا أي طريق سيار فإننا سنجد إشارات مرور توضح سرعة السير التي لا ينبغي أن نتجاوزها عند كل مرحلة من مراحله، كما سنجد إشارات أخرى تحيلنا على مناطق الاستراحة وأخرى على أرقام الهواتف التي ينبغى أن نلجأ إليها عند كل عطب تقني محتمل في السيارة من أجل طلب النجدة.

طريق العلاج من الامراض لا يخرج عن نفس القاعدة فالطبيب المعالج يعقد جلسة أو جلستين أو عدة جلسات مع المريض ليحاول قراءة الشيفرات أو الرموز التي تظهر للخبير في الشأن الطبي بجلاء أعراض ومؤشرات المرض الذي يعاني منه العليل، فمثلا نجد أن الطبيبة كاثرينا لاريش، من جامعة لايبزغ الالمانية، قد حذرت من التعب الدائم كحالة تدل على معاناة الإنسان من أمراض صامتة، ومن أمراض خطيرة في بعض الأحيان [1]. وذكر الباحث يورجن شوستر أن حالة انقطاع التنفس أثناء النوم هي المسئول الأول في بعض حالات الأرق، وهي حالة تنجم عند نوم الإنسان على ظهره، وبسبب ضعف عضلات الرقبة والحلقوم، وتتفاقم بسبب سقوط اللسان إلى الخلف. وينقطع نفس الإنسان عندها لأقل من دقيقة ثم يطلق الجسد إشاراته الإنذارية الكفيلة بدفع النائم للاستيقاظ وهو يعاني من ضيق التفس.[2]

ولنلق نظرة على سبيل البحث عن المجرمين هل يخضع لنفس القاعدة؟ لقد تطور تخصص علم بصمة الحشرات الذي أصبح منذ 1981 يؤخذ كدليل دامغ لإدانة المجرمين، و قد تطور هذا العلم حسب فهد عامر الأحمدي على يد العالم بيل باس من جامعة تينيسي.. فقد كانت تستعين به الشرطة بين الحين والآخر لتحديد زمن وظروف الوفاة، وكونه أساساً عالماً أنثروبولوجياً (متخصصاً بدراسة العظام القديمة) فقد وقف حائراً أمام كثير من الحالات لعدم وجود منهج واضح يسير عليه، وهكذا قرر البدء بدراسة تحلل جثث البشر (في مزرعة خاصة) ورصد التغيرات التي تطرأ عليها، وأول ما لاحظه ان الذباب يحط فوق جثة الميت في الثلاث دقائق الأولى ويعمد لوضع بيوضه في الفم والمناخير وثقوب الجسم النازفة، وبعد وقت معلوم تتحول تلك البويضات إلى يرقات تتعمق داخل الجسم بحثاً عن الدفء والغذاء، وبمقارنة مراحل التوالد والتكاثر مع الطقس والبيئة المحيطة يمكن استنتاج زمن الوفاة وتحديد المكان والفصل الذي حصلت فيه[3].

وفي نفس السياق ترى المهندسة صوفي مارشال من قسم الشرطة العلمية والتقنية في فرنسا في ملف خاص عن علوم الأدلة الجنائية في المجلة العلمية «science et vie». يمكن للمجرم أن يخفي السلاح الذي استخدمه في الجريمة، ويمكن له أن يمحو بصماته، غير أنه لا يستطيع أن يمحو رائحته حتى لو تعطّر، تفوح من الفرد رائحة خاصة به تعود إلى بكتيريا موجودة على الجلد. يعتمد الخبراء على حاسة الشم عند الكلاب بغية مقارنة رائحة الشخص المتشبه به برائحة من مسرح الجريمة التي يتم استخراجها بواسطة أقمشة خاصة تصنع في هنغاريا. فعلى سبيل المثال، يمكن استخراج رائحة سائق السيارة بواسطة قماش خاص يوضع على المقود لفترة ساعة، ويتم بالتالي مقارنة تلك الرائحة برائحة المشتبه به.[4]

طور العلم نظام التشفير من أجل تحديد الهويات حيث بمجرد وضع كلمة RFID على محرك البحث جوجل ستتبدى للقارئ تقنية جديدة في هذا الميدان “تحديد الهويات” وتعني (تحديد الهويه باستخدام موجات الراديو). وهي عباره عن تحديد الهويه بشكل تلقائي بالاعتماد على جهاز يسمى (RFID Tags). هذا الجهاز (RFID Tags) عباره عن كائن صغير يمكن ادراجه بالمنتجات أو الحيوانات أو الإنسان. يحتوي هذا الكائن على شريحة مصنوعة من السيلكون وهوائي (انتينا) لكي يستطيع استقبال وإرسال البيانات والاستعلامات من خلال موجات الراديو وبالتالي قراءتها عند الضرورة من أجل التعرف على حامل الجهاز[5].

طريق التدين أيضا لا يخرج عن هاته القاعدة حيث وضع الله سبحانه وتعالى لأولي الالباب رموزا من أجل تشفيرها والتعرف على خالقها. ويتدرج مريد الحق في قراءة هاته الرموز الكونية تدرجا لا نهائيا نظرا للانهائية ولا محدودية الخلق.

ربط الحق قراءة الرموز بالتدين في نظرنا على ثلاث مستويات:

ـ مستوى التعرف على شرع الله

ـ مستوى معرفة الوسائط الغيبية

ـ مستوى التعرف على واضع إشارات المرور الشرعية

نقصد بالمستوى الاول تلك العلامات و القرائن التي وضعها الحق من أجل معرفة وصول وقت الشعائر كما هو الحال حين ربط وجوب صلاة الظهر و دلوك الشمس ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس الاسراء 78، حيث اختلف العلماء في مصطلح الدلوك هل هو الغروب أم الزوال ورجح ابن عباس أن الدلوك هنا بمعنى الزوال، وكما ربط الحق بين دخول شهر الصيام وبين رؤية الهلال وذلك في نظرنا وسيلة بيداغوجية من طرف الشارع الحكيم من أجل ترقية العقل الاسلامي من مجرد التعرف على شرع الله والذي لا مناص من أهميته كمرحلة ابتدائية ووسيلة لا مناص منها في المراحل المعرفية المتقدمة في بناء العقل الاسلامي إلى مستوى التعرف على المشرع.

ثاني المراحل هي معرفة الوسائط[6] الغيبية من ملائكة وكتب سماوية ورسل وأنبياء وأقدار وهي المرحلة التي علمنا إياها المنهج الجبرائيلي كما سماه زميلنا في البحث العلمي الاستاذ جمال بوشامة الذي يقصد به حديث جبريل المعروف الذي يقسم مراتب الاسلام إلى: إسلام فإيمان فإحسان.

ثالث هاته المراحل هي مرحلة شهود واضع شرع الله أو قل اشارات المرور الشرعية بالقلب الفقيه “لهم قلوب لا يفقهون بها” الاعراف 179 إذا جاز لنا اعتبار القرآن الكريم قانون سير الكائن البشري في هذا الكون.

لذلك يختلف المسلمون في فهمهم لكتاب الله بحسب طهارة قلوبهم حيث يقول الحق سبحانه: ﴿لا يمسه الا المطهرون الواقعة 79، بمعنى إنه إن كان محرم مس ظاهره الا على من طهر ظاهر بدنه، فكذلك محرم مس باطنه “أي معانيه” الا على من قام بتطهير جنانه من الأدران الباطنية ﴿وذرو ظاهر الاثم وباطنه الانعام 120.

ويذكر محمد راتب النابلسي في تفسير قوله تعالى: ﴿ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا في القرآن لطائف كثيرة جداً، تجد في القرآن دقائق في الفهم، في الحديث النبوي دقائق في الفهم، وكما قيل: والحكمة فهم لطائف القرآن، ووجوه معانيه.

كما حكي عن سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: “لو شئت أن أوقر سبعين بعيراً من تفسير الفاتحة لفعلت”.والله عز وجل يقول: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي الكهف الآية:109[7]

ختاما يمكن أن نستنبط انطلاقا من العلم الحديث أن هناك رموزا وشيفرات لا يمكن أن تقرأ إلا من طرف الجهاز القارئ الموضوع خصيصا لقراءة نوع خاص من الرموز، وما ذلك في الحقيقة من اختراع البشر، بل هو مجرد اكتشاف بشري لعلم و قانون الهي موضوع أصلا منذ الازل و إنما يأتي العلم الحديث ليكتشف من خزائن الحق الشيء اليسير حتى يعتبر المؤمن المتبصر، فماذا يمكن أن نستنتج من تطور العلوم في قراءة الشيفرات و الرموز ياترى؟

إن القلب المتنور بنور الوحي المتنزل علي سيد أولي الالباب محمد صلوات الله وسلامه عليه الذي يحاول استكناه المعاني والاشارات والرموز المبثوثة في كتابي الوحي والكون في كل وقت وحين مستعينا على ذلك بالتطهر الظاهري والباطني سيجعل من قلبه كما أراده الحق جهازا مستقبلا لفك إشارات الحق في هذا الوجود ليشهد فعل الله في الكون في كل لحظة وحين.

محمد غاني ـ باحث مشارك بمركز جاك بيرك للعلوم الاجتماعية والانسانية.

المراجع:

1. انظر مجلة لهن ـ التعب اليومي مؤشر للأمراض الخطيرة.

2. نفس المرجع.

3. انظر فهد عامر الاحمدي بصمة الذباب، جريدة الرياض الاربعاء 17 ذي القعدة 1425هـ – 29 ديسمبر 2004 م – العدد 13337.

4. انظر مجلة السفيرـ رائحة المجرم تكشفه ـ http://www.assafir.com/ تاريخ المقال: 19-09-2013.

5. موسوعة ويكيبيديا.

6. يدعي البعض أنه لا واسطة بين الخالق والمخلوق في حين أن الوسائط لا مناص منها في الترقي المعرفي إنما الاشكال في نظرنا إن اعتقد المرأ في ألوهية الوسائط.

7. موقع الاستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي http://www.nabulsi.com/

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.