إن النظر في موضوع التجديد الروحي من منظور مقاصدي يقتضي تفكيك صورته الكلية والإجمالية بالحديث عن جزئياته وتفصيلاته بتبيين المستغلق غير المفهوم والمجمل غير المفصل وذلك من خلال مسائل أساسية تتجلى فيما يلي:

الأولى: النظر في الدلالة المفهومية للتجديد الروحي عبر استنطاق المادة اللغوية، واستخراج المعاني الإصلاحية المتصلة به، مع استحضار مختلف أنماط التجديد في الثقافة الإسلامية.

الثانية: تبيين أصالة التجديد الروحي في الإسلام، من خلال تفصيل القول في أصوله الشرعية، وقواعده ومبادئه الكلية المستمدة من مصدري التشريع الإسلامي الكتاب والسنة.

الثالثة: الإبانة عن مقاصد التجديد الروحي وغاياته بالكشف عن المحال التي يسري فيها ذلك السريان الإصلاحي النوراني الحي، وثمراته سواء في الصلة بالحق أو في العلاقة مع الخلق.

المفهوم

أولا: اللغوي

التجديد مصدر من جدد يجدد تجديداً، وتجدد الشيء وجَدَّ يجِد بالكسر جِدة: صار جديدا، وأجدّه واستجده وجدده: أي صيَّره جديداً، والجدة:نقيض البلى، والجديد: وجه الأرض، ومنه قول العرب: “من سلك الجَدَد أمِن العِثار”، يريدون: من سلك طريق الإجماع، فكنى عنه بالجدد[1].

وقد رد ابن فارس أصل (جد) الجيم والدال إلى ثلاثة معان:

الأول العظمة والغنى: وفي التنزيل ﴿وَإَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [سورة الجن الآية3.].وقيل جده:عظمته وقيل غناه.

والثاني الحظ: يقال: فلان ذو جد في كذا: أي ذو حظ فيه، وفي الدعاء «ولاينفع ذا الجد منك الجد»: أي من كان له حظ في الدنيا لم ينفعه ذلك منك في الآخرة.

والثالث القطع: يقال حبل جديد بمعنى مقطوع، وقولهم ثوب جديد، وهو من هذا -يريد معنى القطع- كأن ناسجه قطعه الآن، هذا هو الأصل، ثم سُمِّي كل شيء لم تأت عليه الأيام جديداً، ولذلك يسمى الليل والنهار الجديدين والأجدين؛ لأن كل واحد منهما إذا جاء فهو جديد[2].

ومن خلال النظر في المعاني اللغوية المتقدمة لمادة (ج د) نستفيد التقريرات التالية:

أولا: إن التجديد يصير الشيء عظيما؛بحيث يخرج من درك الحقارة إلى درجة العظمة.

ثانيا: التجديد في محاله يفيد القطع مع الحالة القبلية والوصل مع الحالة البعدية التي تتمايز خصائصها ومميزاتها عن الحالة القبلية،والتي هي طارئة على الحالة البعدية التي تعتبر الأصل الأول.

ثالثا: التجديد سالك مسلك الإجماع[3] لا الشذوذ بحيث يقطع مع الغريب الضار ويتصل بالمعروف النافع.

رابعا: التجديد نقض لحالة البلى بالخروج عنها، والدخول في ما لا عهد للشيء المجدد به، حين طرو البلى عليه.

ثانيا: الاصطلاحي:

اتجهت أقوال العلماء والباحثين في بيان معنى تجديد الدين إلى جملة من المعاني منها:

أولا: إحياء ما ندرس من أحكام الشريعة وما ذهب من معالم السنن، وخفي من العلوم الظاهرة والباطنة[4].

ثانيا: تجديد هداية الدين وبيان حقيقته[5].

ثالثا: محاولة العودة بالدين إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر[6].

رابعا: العودة إلى المتروك من الدين وتذكير الناس بما نسوه، وربط ما يجد في حياة الناس من أمور بمنظور الدين لها[7].

ويتجلى من خلال هذه المعاني أن تجديد الدين هو إحياء للتمثل والفهم السليم للدين الإسلامي وبعث لوسائل تنزيله الموصولة بذلك الفهم.

والتعليم الجبرائيلي للدين الإسلامي قضى بانحصاره في مقامات ثلاث. فالدين الإسلامي إسلام وإيمان وإحسان حسب حديث جبريل[8] المشهور، ويقتضي هذا حصول التكامل والتداخل بين هذه المقامات الدينية الثلاث من إسلام وإيمان وإحسان واجتماعها جميعا بعلاقة اتصالية دائمة؛ حتى إن المسلم المتحقق بمضامين الدين الإسلامي يوصف بأنه مؤمن ومحسن أي أنه في طلب دائم  للترقي في تلك المقامات؛لأنها من الدين لا أنه منعكف على مقام دون مقام ولا على تحقيق الإسلام والإيمان دون طلب الإحسان.

يقول الشيخ محمد بن قاسم جسوس: “اعلم أولا أن الدين ثلاثي حسبما دل عليه حديث جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام. الجزء الأول،إيمان: وهو ما يرجع إلى الاعتقادات. الثاني، إسلام: وهو ما يرجع إلى الأعمال. الثالث، إحسان: وهو ما يليق من الأدب بين يدي الله تعالى حال العبادة، والإنسان مكلف بجميعه، ولا يمكنه ذلك إلا بمعرفة ما يعتقد والجزم به، والعلم بما يعمل حكما وكيفية والعمل به، وعلم الآداب المطلوب في الإحسان والتخلق به”[9].

والتجديد الروحي إحياء للمعاني الإيمانية والأسرار النورانية والحقائق التوحيدية في الروح الإنسانية، والذي يصلها بتذكر الميثاق، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذرِّيَّاتَهمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ[سورة الأعراف، الآية 172].

وجاء عند الإمام الطبري في تأويل الآية “يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر، يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم، فقررهم بتوحيده، وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك وإقرارهم به”[10]

والتجديد الروحي يتعلق بالروح لا بالجسد وبالقلب لا بالقالب وبالباطن لا بالظاهر وبالمعنى لا بالحس.

فالتجديد الروحي يحيي الحياة الروحية والإيمانية في الإنسان، لتعلقه بروح وقلب الإنسان؛ بحيث يخرجه من درك البهيمية إلى مرتبة الإنسانية إلى أن يحصل أخلاق الكمال وكمالات الأخلاق تحققا بروح ومضامين الدين الإسلامي.

د. جمال بوشما

المراجع:

[1] أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده، المحكم والمحيط الأعظم،7/175-176.

[2] مجد الدين الفيروز آبادي، القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، 271.

[3] فالعرب تقول: “من سلك الجَدَد أمِن العِثار”.

[4] المناوي، محمد عبد الرؤوف، فيض القدير شرح الجامع الصغير1/13.

[5] مقال “معنى تجديد الدين”، مجلة الوعي، العدد 129.

[6] القرضاوي، من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا، ص28.

[7] إبراهيم عبد الفتاح محجوب،حسن الترابي وفساد نظرية تطوير الدين،ص53.

[8] عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: صدقت قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: صدقت قال فأخبرني عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، ثم انطلق فلبث مليا ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان، ح ر:50.

[9] شرح تصوف ابن عاشر لمحمد بن قاسم جسوس، الطبعة الحجرية، نسخة القرويين، رقم 16731، تاريخ الطبع 1315هـ، ص 1-2.

[10] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 13/222.

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.