تتجه الممارسة العملية التأصيلية التدليلية للتجديد الروحي إلى اعتماد النظر الاستقرائي المتتبع لمختلف الأدلة لا بالنظر إلى أفرادها وآحادها بعزل كل دليل عن الآخر أو كل شاهد عن تابعه، بل بالنظر إلى كل الأدلة الدالة على معنى التجديد الروحي نظرا كليا مقاصديا، بحيث تدل بمجموعها على معنى ومفهوم التجديد الروحي.فبالإضافة إلى الأدلة الدالة بلفظها على التجديد، نستثمر الأدلة الدالة بمنطوقها ومفهومها على معاني التجديد الروحي مثل: كلي الإحسان، والآيات والأحاديث النبوية الآمرة بتزكية النفس وإصلاح القلب وتخلية الباطن من الآفات والعيوب والإثم، بالإضافة إلى النظر في الاستمداد من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن هذه الأدلة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»[1].

وحديث: «جَدِّدوا إيمانكم»، قيل: يا رسول الله؛ كيف نجدد إيماننا؟ قال: «أكثروا من قول لا إله إلا الله»[2]

وآيات التزكية:

قال سبحانه وتعالى: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم [سورة البقرة، الآية: 129].

وقال عز من قائل: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم [سورة البقرة الآية 151].

وقال جل وعز: ﴿إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة [سورة آل عمران، الآية: 164].

وقال سبحانه: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة [سورة الجمعة، الآية: 62].

وأحاديث تزكية القلب:

عن النُّعمان بنِ بَشيرٍ رضيَ اللَّه عنهما قال: سمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: «إِنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وإِنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهما مُشْتَبِهاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَن اتَّقى الشُّبُهاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشبُهاتِ، وقَعَ في الحَرامِ، كالرَّاعي يرْعى حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَع فِيهِ، أَلاَ وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمهُ، أَلاَ وإِنَّ في الجسَدِ مُضغَةً إذا صلَحَت صَلَحَ الجسَدُ كُلُّهُ، وَإِذا فَسَدَتْ فَسدَ الجَسَدُ كُلُّهُ: أَلاَ وَهِي القَلْبُ» متفقٌ عليه.

عَنْ أبي هُريْرة عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ صخْرٍ رضي الله عَنْهُ قال: قالَ رَسُولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعمالِكُمْ» رواه مسلم.

كما استفاض وانتشر وذاع خبر حادثة شق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي تشير إلى معاني التجديد الروحي:

فقد روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره».

كما نقرر ضمن الأدلة على التجديد الروحي، أنه لما كانت الإنسانية في بداية الزمن المحمدي قد تحققت بالتجديد الروحي لوجود الإنسان الكامل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ماثلا أمامها تراه في مدخله ومخرجه وحركاته وسكناته، بحيث خرجت بذلك الاقتداء من السفاهة إلى الرشد، ومن نقمة الفصل إلى نعمة الوصل، ومن الاعوجاج إلى الاستقامة، ومن المخالفة إلى المطاوعة، ومن النرجسية إلى الإيثار ومن آفات الاعتقاد إلى كمالات الإيمان والاعتقاد حتى حصلت الأمن الروحي يقول عز من قائل: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [سورة الأنعام، الآية: 82]، فإن تحصيل التجديد الروحي، يستدعي أنموذجا إنسانيا متحققا بالنموذج الإنساني الكامل عليه الصلاة والسلام، بمقتضى مبدأ وكلي الوراثة المحمدية.[3]

د. جمال بوشامة

المراجع:

[1] رواه أبوداود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة. وصححه السخاوي في المقاصد الحسنة. وقال: “وقد اعتمد الأئمة هذا الحديث، فرويناه في المدخل للبيهقي بإسناده إلى الإمام أحمد” 149.

[2] مسند الإمام أحمد، مسند أبي بكر الصديق.

[3] “… وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر”. رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد والبيهقي.

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.