الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مشروع، وإحياء ذكرى بزوغ نوره عليه السلام غير ممنوع، بل هو تعبير عن الفرح بالرحمة المهداة وعن محبته عليه السلام، وفيه تعظيم لشعائر الله تعالى، وتثبيت لقلوب المؤمنين، ومناسبة لاستحضار الأخلاق والمعجزات والشمائل المحمدية الواجب الاقتداء بها، ولا أدل على ذلك من المصنفات التي ألفت في هذا الموضوع، والأقوال التي أُثِرَت عن العلماء: قدماء ومحدثين، مجيزين إحياء ليلة مولده عليه السلام بقراءة القرآن وذكر الله عز وجل وقراءة شمائله ومناقبه عليه السلام، تعبيرا منهم عن الشكر لله عز وجل الذي أنعم عليهم بهذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

وهذه بعض أقوال علماء السنة عن شرعية الاحتفال بمولد خير الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام:

من القدماء:

أبو شامة (شيخ النووي) (المتوفى سنة 665ھ):

“ومِن أَحسنِ ما ابتُدع في زماننا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة إربل جبرها الله تعالى كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله، وشكر الله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم وعلى جميع المرسلين”.[الباعث على إنكار البدع والحوادث، 21].

ابن الحاج الفاسي المالكي (ت737ھ):

“فكان يجب أن يزاد فيه من العبادات والخير شكرا للمولى سبحانه وتعالى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات، وما ذاك إلا لرحمته عليه السلام بأمته ورفقه بهم، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته، رحمة منه بهم، كما وصفه المولى سبحانه وتعالى في كتابه حيث قال: ﴿بالمومنين رؤوف رحيم﴾. لكن أشار عليه الصلاة والسلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله عليه الصلاة والسلام للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين، فقال له عليه الصلاة والسلام: «ذلك يوم ولدت فيه»، فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه. فينبغي أن نحترمه حق الاحترام، ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة، وهذا منها”. [المدخل، 2/3].

وقال أيضا: “ومن تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم الفرح بليلة ولادته وقراءة المولد”. [الدرر السنية، ص 190].

ابن حجر العسقلاني (ت852ھ):

“أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرّى في عملها المحاسن وتجنب ضِدها، كان بدعة حسنة، وإلا فلا… وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى.. من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شئ من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة… فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات…”. [الحاوي للفتاوي، 1/188].

شمس الدين السخاوي (ت902ھ):

“ولو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان وسرور أهل الإيمان من المسلمين لكفى، وإذا كان أهل الصليب اتخذوا مولد نبيهم عيدا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر…”. [تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي، 114].

جلال الدين السيوطي (ت911ھ):

“.. فقد وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول، ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل يثاب فاعله أو لا؟

والجواب: عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدإ أمر النبي عليه السلام وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف”. [الحاوي للفتاوي، 1/181-182].

القسطلاني (شارح صحيح البخاري) (ت923ھ):

“ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه السلام، ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. ومما جرب من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، فرحم الله امرءا اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء”. [المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، 1/78].

أحمد بن زيني دحلان (ت1304ھ):

“ومن تعظيمه صلى الله عليه وسلم الفرح بليلة ولادته وقراءة المولد، والقيام عند ذكر ولادته صلى الله عليه وسلم، وإطعام الطعام، وغير ذلك مما يعتاد الناس فعله من أنواع البر، فإن ذلك كله من تعظيمه صلى الله عليه وسلم..”. [الدرر السنية في الرد على الوهابية، ص20].

ومن المحدَثين:

الشيخ محمد متولي الشعراوي:

“وإكراما لهذا المولد الكريم فإنه يحق لنا أن نُظهر معالم الفرح والابتهاج بهذه الذكرى الحبيبة لقلوبنا كل عام وذلك بالاحتفال بها من وقتها”. [على مائدة الفكر الإسلامي، ص295].

مفتي الديار المصرية: علي جمعة:

“والاحتفال بذكرى مولده عليه السلام  من أفضل الأعمال وأعظم القربات، لأنه تعبير عن الفرح والحب له صلى الله عليه وسلم،… والاحتفال بمولده هو الاحتفاء به، والاحتفاء به صلى الله عليه وسلم أمر مقطوع بمشروعيته، لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولى…” [البيان لما يشغل الأذهان، 1/114-115].

وهبة الزحيلي:

“إذا كان المولد النبوي مقتصرا على تلاوة القرآن الكريم، والتذكير بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وترغيب الناس في الالتزام بتعاليم الإسلام، وحضهم على الفرائض وعلى الآداب الشرعية، ولا يكون فيها مبالغة في المديح ولا إطراء، كما قال النبي عليه السلام: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، وقولوا عبد الله ورسوله)، وهذا إذا كان هذا الاتجاه في واقع الأمر، لا يُعد من البدع، وإنما لو عددناه من البدع لألغينا كل دروس التاريخ وكل الدروس التي فيها توجيه ودعوة للإسلام”. [حلقة البدع ومجالاتها المعاصرة، قناة الجزيرة، برنامج الشريعة والحياة].

راتب النابلسي:

“… أن تجمع الناس في بيتك، أو أن تجمعهم في مسجد، وأن تأتي بإنسان تثق بعلمه وإخلاصه، فيحدث الناس عن هذا النبي الكريم، وعن أخلاقه، وعن شمائله، وعن منهجه… فإن هذا من ضمن الدعوة إلى الله… ومن ضمن حقيقة هذا الدين، ومن ضمن الدعوة إلى سيد المرسلين، ومن ضمن العمل الصالح…” [خطبة جمعة حول ذكرى مولد النبي عليه السلام].

محمد سعيد رمضان البوطي:

“والاحتفال بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم نشاط اجتماعي يبتغى من خير ديني، فهو كالمؤتمرات والندوات الدينية التي تعقد في هذا العصر، ولم تكن معروفة من قبل… ومن ثم لا ينطبق تعريف البدعة على الاحتفال بالمولد، كما لا ينطبق على الندوات والمؤتمرات الدينية”. [فتاوى عن المولد النبوي].

وعليه فالاحتفال بمولد سيد الأمة عليه السلام قد أجازه علماء السنة، فهو أمر استحسنوه في جميع البلاد، وجرى العمل به في كل قطر ومصر، فهو مطلوب شرعا، لأن ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح، والأمة لا تجتمع على ضلالة.

دة. ربيعة سحنون

ضع تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.